كيف تغير حالتنا النفسية الطريقة التي نرى بها الواقع؟


 |كيف تغير حالتنا النفسية الطريقة التي نرى بها الواقع؟


تأثير الحالة الانفعالية في الانتباه، والتفسير، والذاكرة، واتخاذ القرار


بقلم: أ. فاطمه الزهراء إبراهيم 

أخصائي نفسي


دعنا أولاً نفهم كيف تتأثر رؤيتنا للواقع؛ فالواقع ليس مجرد صورة تلتقطها حواسنا كما هي، بل إن الطريقة التي ندرك بها ما يحدث حولنا تتأثر بالحالة الانفعالية، وبما ننتبه إليه، وكيف نفسر المعلومات، وما نستدعيه من الذاكرة، وكيف نتخذ قراراتنا.


ويُعرف بعض هذه التأثيرات في علم النفس بمفاهيم مثل المعالجة المتوافقة مع المزاج (Mood-Congruent Processing)، والانفعال كمعلومة (Affect-as-Information)، وهي مفاهيم تشرح كيف يمكن للحالة الانفعالية أن تؤثر في معالجة المعلومات دون أن تعني أن مشاعرنا تحدد الواقع بالكامل.


وسوف نتناول بالتفصيل الوظائف المعرفية الأربع التي سبق ذكرها:


أولاً: الانتباه (Attention)


تؤثر الحالة الانفعالية في توجيه الانتباه وتوزيع الموارد المعرفية:


* الانفعالات السلبية/المرتبطة بالتهديد Negative/Threatening (كالخوف والقلق): قد تؤدي إلى زيادة الانتباه للمثيرات المهددة، أو إلى تضييق نطاق الانتباه في بعض المواقف، فيما يُعرف بـ التحيز للتهديد (Threat Bias)؛ حيث يزداد تركيز العقل على المعلومات المرتبطة بالتهديد، وقد تقل ملاحظة بعض التفاصيل الأخرى في البيئة.

* الانفعالات الإيجابية Positive/Expansive: تتوافق بعض نتائج علم النفس مع نظرية التوسع والبناء (Broaden-and-Build Theory) لـ Barbara Fredrickson، والتي تشير إلى أن بعض الحالات الانفعالية الإيجابية قد توسع نطاق الانتباه والتفكير، وتزيد من ملاحظة إمكانات وخيارات متعددة في البيئة المحيطة.


أمثلة تطبيقية لتأثير القلق والاكتئاب على الانتباه:


* في حالة القلق (الانتباه المتحيز نحو التهديد – Threat Bias):

    * مثال: (سارة) موظفة تعاني من القلق الاجتماعي. أثناء تقديمها لعرض توضيحي أمام 20 زميلاً، كان 19 منهم يصغون باهتمام، بينما كان شخص واحد فقط ينظر في هاتفه ويبدو عليه الملل.

    * كيف يتغير إدراك الواقع؟ بسبب التحيز الانتباهي للتهديد، قد يلتقط عقل سارة الشخص غير المهتم بسرعة، بينما لا تعطي الانتباه نفسه لباقي الحاضرين المتفاعلين. فيترجم عقلها الموقف على أنه: «الجميع يشعر بالملل والعرض فاشل». تبدأ بالشعور بالفشل وعدم التقدير، فتركز على الشخص الوحيد غير المنتبه وتهمل باقي الأشخاص المهتمين.

* في حالة الاكتئاب (الانتباه الانتقائي للمعلومات السلبية – Negative Selective Attention):

    * مثال: (أحمد) طبيب يمر بدورة اكتئابية، يتلقى تقييماً سنوياً من إدارته يحتوي على 9 نقاط إشادة بجهوده ونقطة واحدة تتضمن ملاحظة للتطوير.

    * كيف يتغير إدراك الواقع؟ بسبب تأثير المزاج المنخفض والتحيز نحو المعلومات السلبية، قد يعطي عقله وزناً أكبر للملاحظة الوحيدة، ويتعامل معها كأنها دليل على عدم كفاءته، بينما يقل انتباهه إلى نقاط الإشادة الأخرى.


وهنا نلاحظ إحدى الأفكار المهمة في العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، وهي أن تفسير الشخص للحدث يمكن أن يؤثر في مشاعره وسلوكه، مع وجود تأثير متبادل بين الأفكار والمشاعر والسلوك.


ثانياً: التفسير والإدراك (Interpretation & Perception)


عندما تكون المعطيات المعرفية غامضة، يمكن أن تتدخل الحالة الانفعالية في طريقة تفسيرها:


* تأثير الحالة الانفعالية الحالية (Affect-as-Information Theory): قد يستخدم العقل الشعور الحالي كمعلومة تساعده على تفسير الموقف؛ فالشخص الغاضب قد يفسر بعض التصرفات المحايدة باعتبارها هجومًا أو تحيزًا ضده، والشخص المكتئب قد يميل إلى تفسير بعض التعليقات العادية باعتبارها رفضًا اجتماعيًا.

* إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal): وهي استراتيجية لتنظيم الانفعال، يقوم فيها الشخص بإعادة تفسير الموقف بطريقة مختلفة. وقد تساعد المرونة المعرفية على النظر إلى بعض المواقف الضاغطة باعتبارها «تحديات» بدلاً من «تهديدات»، بحسب طبيعة الموقف وقدرة الشخص على التعامل معه.


والمفهومان يعتمدان على طريقة استقبال الحدث أو المثير، والتفسير الذي يتبناه الشخص في بداية الحدث.


ثالثاً: الذاكرة (Memory)


تتجلى العلاقة بين المزاج والذاكرة من خلال ما توصلت إليه الدراسات النفسية والمعرفية، ومن خلال بعض الأمثلة الإكلينيكية:


1. التأصيل النظري في المراجع العربية:


* كتاب «علم النفس المعرفي» – د. محمد شحاتة ربيع:

    يتناول مفهوم «الذاكرة المتوافقة مع المزاج»، والذي يشير إلى أن الحالة الانفعالية يمكن أن تؤثر في سهولة استدعاء ذكريات تتوافق معها. فعندما يسيطر الاكتئاب أو الحزن، قد تصبح الخبرات والذكريات السلبية أكثر سهولة في الاستدعاء، دون أن يعني ذلك أن الذكريات الإيجابية تختفي تمامًا.

    كما يمكن أن تؤثر الضغوط والانفعالات الشديدة في كيفية ترميز المعلومات واسترجاعها، وقد يصبح الانتباه أكثر تركيزًا على بعض جوانب الموقف دون غيرها.

* كتاب «الانفعال والمعرفة» – د. أنور محمد الشرقاوي:

    يركز على العلاقة بين الانفعال والسعة المعرفية للذاكرة العاملة (Working Memory)، حيث يمكن للقلق والانشغال الذهني أن يشغلا جزءًا من موارد الذاكرة العاملة، مما قد يقلل من القدرة على معالجة المعلومات الجديدة، ويتسبب في التشتت وصعوبة الاستدعاء، وهو ما قد يظهر في مواقف مثل الامتحانات أو المواقف الضاغطة.


1. أمثلة إكلينيكية على الذاكرة:


* في حالة القلق (الترميز المتأثر واستدعاء الخبرة السلبية):

    * السيناريو الإكلينيكي: (عمر) طالب يعاني من قلق الاختبارات. أثناء امتحانه الشفهي، ارتبك في الإجابة على السؤال الأول لكنه أجاب بأداء ممتاز على باقي الأسئلة.

    * كيف يتغير إدراك الواقع؟ قد يؤدي القلق والانتباه المرتفع للتهديد إلى جعل لحظة التعثر أكثر بروزًا في ذاكرته، فيستدعيها لاحقًا باعتبارها الجزء الأهم من التجربة، بينما لا يعطي بقية الإجابات الصحيحة الوزن نفسه.

* في حالة الاكتئاب (الذاكرة المتوافقة مع المزاج والذاكرة مفرطة العمومية – Overgeneral Memory):

    * السيناريو الإكلينيكي: (منى) مصابة باكتئاب وتمر بموقف جادلها فيه زوجها حول أمر بسيط.

    * كيف يتغير الواقع؟ المزاج المنخفض قد يفعّل شبكة من الذكريات والتداعيات السلبية، فتقوم ذاكرتها باستدعاء مواقف سابقة شعرت فيها بالإهمال على مدار سنوات. بالإضافة إلى ظاهرة «الذاكرة المفرطة العمومية» (Overgeneral Memory)، حيث تصبح القدرة على استدعاء أحداث محددة أقل دقة، فتستنتج: «هو طوال عمره لم يحبني ولن يسعدني».


رابعاً: اتخاذ القرار (Decision Making)


تؤثر الحالة النفسية والانفعالية في طريقة تقييمنا للخيارات والمخاطر، وفي مقدار الانتباه الذي نعطيه للمكاسب والخسائر المحتملة:


1. التأصيل النظري في المراجع العربية:


* كتاب «خطأ ديكارت» – أنطونيو داماسيو (ترجمة: د. أحمد مستجير):

    يتناول فرضية العلامة السوماتية (Somatic Marker Hypothesis)، والتي تشرح كيف يمكن للإشارات الجسدية والانفعالية المرتبطة بالخبرات السابقة أن تسهم في توجيه عملية اتخاذ القرار، من خلال إعطاء بعض الخيارات قيمة انفعالية سريعة تساعد الشخص على تقييمها.

    فقبل اتخاذ القرار قد تظهر استجابة جسدية أو انفعالية مرتبطة بخبرة سابقة، مثل الشعور بالقلق أو الارتياح، ويمكن لهذه الإشارات أن تؤثر في الاختيار، لكنها لا تعني وحدها أن القرار أصبح محسومًا.

* كتاب «الانفعال والمعرفة» – د. أنور محمد الشرقاوي:

    يشرح كيف يمكن للقلق والضغط النفسي أن يؤثرا في تقييم المخاطر؛ فالقلق قد يجعل الشخص يبالغ في تقدير احتمال النتائج السلبية ويقلل من تقديره لقدرته على المواجهة، مما قد يدفعه إلى قرارات قائمة على التجنب أو الانسحاب.

    أما الاكتئاب فقد يرتبط بانخفاض الدافعية وتوقع انخفاض المكافأة، مما قد يجعل الشخص أقل ميلًا إلى المبادرة واتخاذ القرار، أو أكثر ميلًا إلى التأجيل.


1. أمثلة إكلينيكية على اتخاذ القرار:


* في حالة القلق (تجنب المخاطر والإنهاك في التحليل – Analysis Paralysis):

    * مثال: (خالد) مهندس يُعرض عليه ترقية لوظيفة قيادية جديدة براتب أعلى.

    * كيف يتغير الواقع؟ يعمل القلق كإشارة خطر مستمرة، فيستحضر عقله أفظع السيناريوهات المحتملة (الفشل، الفضيحة، فقدان الوظيفة). نتيجة لذلك، يستغرق أسابيع في تحليل التفاصيل دون التوصل لقرار، وفي النهاية يرفض العرض لتجنب التهديد المتخيل، مفضلاً الأمان الذي يبدو له أكثر ضمانًا.

* في حالة الاكتئاب (انخفاض الدافعية وصعوبة اتخاذ القرار):

    * السيناريو الإكلينيكي: (ريم) تعاني من اكتئاب متوسط وتواجه قراراً يسيراً مثل اختيار وجبة العشاء أو البدء في مهمة عمل بسيطة.

    * كيف يتغير الواقع؟ قد يرتبط الاكتئاب بانخفاض الاستجابة للمكافأة والدافعية، فيظهر لدى ريم شعور بأن الخيارات لا تحمل قيمة كافية: «لا شيء يهم، ولن يتغير شيء سواء اخترت هذا أو ذاك». وينتهي المطاف بتأجيل القرارات أو ترك الآخرين يقررون عنها.


دور العلاج المعرفي السلوكي (CBT) في تصحيح التحيزات المعرفية


بعد أن عرضنا كيف تؤثر الحالة النفسية والانفعالية في اتخاذ القرارات والتحيزات المعرفية في الانتباه والذاكرة، كيف يساعد العلاج المعرفي السلوكي المريض على إعادة فحص هذه التحيزات؟


يعتمد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) على مبدأ أساسي: «نحن لا نستطيع دائماً التحكم في المشاعر التي تتولد تلقائياً، ولكن يمكننا العمل على طريقة تفسيرنا للمعلومات وإعادة تقييمها».


إذا كانت حالتنا النفسية تشبه «نظارة ملونة» تجعلنا نرى العالم بأكمله مظلماً أو مرعباً، فإن العلاج المعرفي السلوكي لا يغير العالم من حولنا، بل يساعدنا على فحص هذه النظارة وتعديل طريقة النظر من خلالها؛ فهو يركز على الأفكار والتفسيرات وكيفية استقبال الفرد للحدث أو المثير. ويكون هذا عن طريق مجموعة من الفنيات العلاجية المبسطة:


* 1- تحرير الانتباه (الخروج من سجن «التركيز السلبي»):

    * تمارين إعادة توجيه البوصلة: مثلما نغير القناة في التلفزيون، يُتدرب الشخص على نقل تركيزه عمدًا من الأفكار المرعبة الداخلية (مثل: «قلبي يدق بسرعة سأموت») أو المثيرات المزعجة، إلى تفاصيل محايدة في البيئة من حوله (مثل: صوت العصافير، ألوان الغرفة).

    * تمرين العدسة المكبرة المزدوجة: يُطلب من الشخص أن يلاحظ يوميًا الأشياء البسيطة الجيدة أو المحايدة التي حدثت معه إلى جانب المواقف المزعجة، ليتدرب على رؤية الصورة كاملة بدلاً من التركيز على النصف الفارغ من الكأس فقط.

* سجل الملاحظة المزدوجة (Dual-Observation Log):

    يُطلب من المريض الذي يعاني من «الانتباه الانتقائي السلبي» تسجيل أحداث إيجابية أو محايدة حدثت خلال اليوم إلى جانب الأحداث السلبية التي لاحظها. يساعد هذا التمرين على توسيع نطاق الملاحظة وعدم الاقتصار على التقاط «التهديدات» فقط.

* محاكمة الأفكار واختبار الواقع (التفكير كعالِم):

    * المحاكمة العقلانية للأفكار: بدلاً من التعامل مع كل فكرة سلبية كأنها «حقيقة مؤكدة»، يُدرب الشخص على فحص أفكاره وسؤال نفسه: «ما هو الدليل الحقيقي على صحة هذا الخوف؟ وما هي الأدلة التي تثبت عكسه؟».

    * التجربة الميدانية: النزول إلى الواقع لاختبار الخوف بنفسه؛ فإذا كان يخشى مثلاً أن «الجميع سيسخر مني إذا تحدثت» (توقع القلق)، يطلب منه العلاج القيام بمحاولة بسيطة ليقيس بنفسه رد فعل الناس الواقعي، ويكتشف أن سيناريوهات عقله الكارثية لم تحدث.


وفي الختام


فإن الواقع الذي نعيشه ليس انعكاساً مجرداً لما يدور حولنا، بل إن إدراكنا له يتأثر بعدسة حالتنا النفسية. وعندما تشوب هذه العدسة غشاوة القلق أو الاكتئاب، قد تتدخل التحيزات المعرفية لتُضيق زاوية الانتباه، وتؤثر في استدعاء الذاكرة، وتؤثر في طريقة تقييم القرارات.


ولكن الخبر السار الذي يقدمه لنا العلاج المعرفي السلوكي (CBT) هو أن العقل البشري يمتلك قدرًا من المرونة المعرفية؛ فمن خلال أساليب عملية مثل إعادة التدريب الانتباهي، وتدريب الذاكرة المحددة، والتجارب السلوكية، يستطيع الفرد تطوير طريقة أكثر توازنًا في معالجة المعلومات، ليرى العالم بحجمه الطبيعي ومساحاته المفتوحة، بعيداً عن المبالغة في التهديد أو التغاضي عن الفرص.


وفي المقال القادم نقترب أكثر من سؤال جديد:


لماذا نسيء أحيانًا فهم نوايا الآخرين؟


.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات