| لماذا نسيء أحيانًا فهم نوايا الآخرين؟

 | لماذا نسيء أحيانًا فهم نوايا الآخرين؟



بقلم: د. نسرين الحكيم

إستشاري مهارات حياتيه ومهنيه


أحيانًا لا نرى ما فعله الآخرون كما هو…

بل نراه من خلال القصة التي صنعها عقلنا حول ما فعلوه.


قد يتأخر شخص في الرد، فنقول: «هو بيتجاهلني».

وقد يتحدث معنا باختصار، فنفسر ذلك بأنه غاضب أو متكبر.

وقد يرفض طلبًا لنا، فنعتقد أنه لا يقدرنا أو لا يريد مساعدتنا.


لكن السؤال الأهم:


هل نحن نقرأ نوايا الآخرين فعلًا؟

أم أننا نقرأ تفسيرنا نحن لسلوكهم؟


النية ليست شيئًا نراه


نحن نستطيع أن نرى السلوك، ونسمع الكلمات، ونلاحظ نبرة الصوت والتوقيت ورد الفعل.


لكننا لا نستطيع أن نرى النية مباشرة.


الشخص أمامنا قد يقول كلمة واحدة، بينما داخل عقله عشرات الاحتمالات التي لا نعرف عنها شيئًا.


وهنا يبدأ العقل في ملء الفراغات.


إذا كانت المعلومات ناقصة، يميل الإنسان إلى بناء تفسير يساعده على فهم الموقف بسرعة، حتى لو لم يكن هذا التفسير صحيحًا.


وهكذا يتحول:


موقف صغير → إلى استنتاج → إلى قصة → إلى حكم على الشخص.


المشكلة في «الاستنتاج السريع»


عندما نرى سلوكًا لا نفهم سببه، قد نقفز مباشرة إلى النتيجة:


«هو عمل كده لأنه قاصد يضايقني».


لكن هناك فرق كبير بين:


ما حدث فعلًا


و


ما اعتقدنا أنه يعنيه.


قد يكون الشخص لم يرد لأن لديه مشكلة.

وقد يكون صمته بسبب الإرهاق.

وقد يكون رفضه مرتبطًا بظروف لا نعرفها.


لكن عندما نقرر النية قبل أن نمتلك المعلومات، يصبح من الصعب علينا رؤية أي تفسير آخر.


لماذا يصنع عقلنا قصة كاملة من معلومات ناقصة؟


لأن العقل بطبيعته يبحث عن المعنى.


هو لا يحب المساحات الفارغة أو عدم اليقين.


لذلك عندما يحصل على معلومة ناقصة، يبدأ في الربط بينها وبين خبراته السابقة، ومخاوفه، وتوقعاته، وصورته عن الشخص الآخر.


فإذا كنت قد تعرضت سابقًا للتجاهل، قد تفسر الصمت باعتباره تجاهلًا.


وإذا كنت تخشى الرفض، قد ترى الرفض في أبسط تصرف.


وإذا كنت لا تثق في شخص معين، فقد تصبح محاولاتك لفهم سلوكه منحازة أصلًا إلى تفسير سلبي.


أحيانًا لا تكون المشكلة في الموقف وحده… بل في القصة التي جاء بها عقلنا إلى الموقف.


أخطر شيء يحدث بعد ذلك


أننا لا نكتفي بتفسير التصرف.


نبدأ في تفسير الشخص كله.


من:


«هو لم يرد عليّ».


إلى:


«هو لا يحترمني».


ثم:


«هو دائمًا يتعمد التقليل مني».


ثم:


«أنا عرفت حقيقته».


في عدة دقائق، انتقلنا من معلومة واحدة مؤكدة إلى حكم كامل على شخصية إنسان.


وهنا يمكن أن تبدأ الخلافات.


ليس لأن الحقيقة ظهرت…


بل لأن القصة التي صنعناها أصبحت بالنسبة لنا هي الحقيقة.


كيف نقرأ الموقف بطريقة أكثر نضجًا؟


قبل أن نحكم على نية شخص، جرب أن تفصل بين أربع نقاط:


1. ماذا حدث فعلًا؟

بدون تفسير أو مبالغة.


1. ماذا افترضت أنه يعني؟

هنا تظهر القصة التي صنعها عقلك.


1. ما الاحتمالات الأخرى؟

هل هناك تفسير مختلف لما حدث؟


1. هل أملك معلومات كافية للحكم؟

أم أنني أحكم على نية لا أستطيع رؤيتها؟


هذا التوقف البسيط قد يمنع الكثير من سوء الفهم.


ليس المطلوب أن نكون ساذجين


فهم الآخرين لا يعني أن نبرر كل سلوك مؤذٍ، أو أن نتجاهل الإشارات المتكررة، أو أن نمنح الجميع حسن النية بلا حدود.


هناك فرق بين:


أن أكون واعيًا بالسلوك المتكرر،


وبين:


أن أحكم على النية من موقف واحد.


السلوك المتكرر يعطينا بيانات أكثر.


أما الموقف الواحد، فقد يعطينا سؤالًا… وليس إجابة نهائية.


أحيانًا نحن لا نحتاج إلى «قراءة النوايا»


نحتاج فقط إلى سؤال أفضل.


بدل:


«إنت قصدك إيه لما عملت كده؟»


يمكن أن نقول:


«أنا فهمت الموقف بالشكل ده، هل ده كان قصدك فعلًا؟»


الفرق بسيط، لكنه يفتح مساحة للحوار بدل المواجهة.


لأن الإنسان الناضج نفسيًا لا يعتبر أول تفسير يخطر في ذهنه حقيقة نهائية.


هو يعرف أن هناك فرقًا بين ما يعرفه… وما يتخيله.


وفي النهاية…


ليس كل تأخير تجاهلًا.

وليس كل صمت غضبًا.

وليس كل رفض تقليلًا منك.

وليس كل اختلاف عداءً.


أحيانًا نكون أمام جزء صغير جدًا من الحكاية…


لكننا نتصرف وكأننا قرأنا الحكاية كلها.


لذلك، قبل أن تقول:


«أنا عرفت هو عمل كده ليه».


توقف لحظة واسأل نفسك:


«هل أنا عرفت نيته فعلًا… أم أنني أكملت القصة من عندي؟»


لأن بعض العلاقات لا تنتهي بسبب ما حدث…


بل بسبب المعنى الذي أعطيناه لما حدث.


وفي المقال القادم نقترب أكثر من سؤال جديد:


لماذا نبالغ في تفسير بعض الأشياء ونتجاهل أشياء أخرى؟


.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات