لماذا نبالغ في تفسير بعض الأشياء ونتجاهل أشياء أخرى

 |لماذا نبالغ في تفسير بعض الأشياء ونتجاهل أشياء أخرى؟



بقلم: د. دينا حسني

إستشاري نفسي | معالج شعوري


عمرك سألت نفسك ليه موقف صغير ممكن يفضل شاغل بالك بالساعات، بينما حاجات كبيرة بتحصل في حياتك وتعدي كأنها ما حصلتش؟


طب ليه ممكن كلمة واحدة من شخص معين تكسرك، بينما عشرات الكلمات الحلوة من ناس بتحبك مش بتعمل نفس التأثير؟


وليه ممكن غلطة واحدة من إنسان نحبه تخلينا نعيد حساباتنا معاه كلها، لكن عشرات المواقف الحلوة اللي عملها قبل كده نعتبرها عادية؟


الحقيقة إن الموضوع مش دايمًا متعلق بحجم الموقف…


أحيانًا إحنا مش بنتفاعل مع الحدث نفسه.


إحنا بنتفاعل مع المعنى اللي الحدث لمسه جوانا.


وده هو الجزء اللي غالبًا مش بنشوفه.


ما وراء السلوك


لما تلاقي شخص بيبالغ جدًا في رد فعله تجاه موقف بسيط، ما تستعجلش وتقول عليه حساس أو دراما أو مكبر الموضوع.


اسأل الأول:


إيه اللي الموقف ده لمسه جواه؟


شخص اتأخر عليه حد في الرد، ممكن الموضوع عنده مش مجرد رسالة اتأخرت…


يمكن التأخير لمس خوفًا قديمًا من التجاهل.


وشخص بيتضايق جدًا من النقد، ممكن مشكلته مش مع النقد نفسه…


يمكن النقد عنده مرتبط في ذهنه بمعنى أعمق:


«أنا مش كفاية».


وشخص متعلق جدًا بإنسان رغم إنه بيتعبه، ممكن يكون مش متمسك بالشخص نفسه قد ما هو متمسك بالأمل إنه في يوم هياخد منه الحب اللي فضل يدور عليه.


وهنا لازم نفرق بين السلوك والمشاعر والاحتياج.


السلوك هو اللي بنشوفه:


العصبية.


الانسحاب.


العتاب.


التعلق.


التجاهل.


المبالغة في التفكير.


لكن ورا السلوك غالبًا فيه شعور.


وورا الشعور فيه احتياج.


وورا الاحتياج أحيانًا فيه تجربة قديمة أثرت في الطريقة اللي بيتعامل بيها الإنسان مع الموقف.


يعني ممكن شخص يبدو لك إنه «بيبالغ»، بينما هو في الحقيقة بيحاول يحمي جزء حساس جدًا جواه.


لكن ليه بنتجاهل حاجات أهم؟


لأن عقلنا مش دايمًا بيقيس الأشياء بقيمتها الحقيقية…


أحيانًا بيقيسها بمدى تأثيرها على مخاوفنا.


وعشان كده ممكن الإنسان يركز جدًا على شخص تجاهله، ولا ينتبه لخمسة أشخاص كانوا موجودين عشانه.


يركز على موقف فشل فيه، وينسى عشرات المرات اللي نجح فيها.


يفتكر جملة جارحة اتقالت له من سنين، وينسى كل الكلام الجميل اللي سمعه بعدها.


وده مش معناه إننا بنختار الوجع بإرادتنا.


لكن العقل البشري قد يعطي اهتمامًا أكبر للأشياء المرتبطة بالخطر والرفض والخوف والفقد، خصوصًا عندما تكون هذه الموضوعات ذات أهمية شخصية بالنسبة لنا.


عشان كده الحاجة اللي بتخوفك ممكن تاخد مساحة أكبر من الحاجة اللي بتطمنك.


المشكلة مش إننا بنبالغ…


المشكلة إننا أحيانًا بنبالغ في المعنى، مش في الحدث.


تأخير بسيط ممكن يتحول في دماغ شخص إلى:


«هو مش مهتم بيا».


نقد عابر يتحول إلى:


«أنا فاشل».


خلاف بسيط يتحول إلى:


«العلاقة دي انتهت».


مسافة مؤقتة تتحول إلى:


«الناس كلها هتسيبني».


وهنا الحدث الأصلي بيكون صغير…


لكن التفسير اللي حطيناه عليه هو اللي كبر.


وعشان كده من أهم المهارات النفسية إنك تسأل نفسك وقت انفعالك:


إيه اللي حصل فعلًا؟


و


إيه اللي أنا فهمته من اللي حصل؟


لأن الاتنين مش دايمًا واحد.


ممكن الشخص يكون اتأخر فعلًا…


لكن فكرة «هو مش بيحبني» دي تفسير.


ممكن حد ينتقد تصرف عملته…


لكن فكرة «أنا شخص سيئ» دي تفسير.


ممكن علاقة تنتهي…


لكن فكرة «أنا مش هلاقي حد يحبني تاني» دي تفسير.


وهنا يبدأ الوعي الحقيقي.


إنك ما تلغيش مشاعرك…


لكن كمان ما تخليش مشاعرك تكتب الحقيقة كلها بالنيابة عنك.


يمكن إحنا محتاجين نعيد توزيع انتباهنا…


نقلل المساحة اللي بنديها للحاجات اللي وجعتنا، ونكبر المساحة اللي بنديها للحاجات اللي بتسندنا.


نفتكر الناس اللي وقفت جنبنا، مش بس اللي خذلونا.


نشوف اللي موجود، مش بس اللي مشي.


نفتكر إنجازاتنا، مش بس أخطاءنا.


ونفهم إن مش كل إحساس قوي معناه إن الحدث كبير…


أحيانًا الإحساس بيكون قوي لأن المكان اللي لمسه جوانا كان موجوع من زمان.


وفي النهاية…


مش كل حاجة بتوجعك تستحق كل المساحة دي.


ومش كل حاجة بتطمنك لازم تعتبرها عادية.


اتعلم تشوف ما وراء سلوكك…


لأنك لما تفهم إيه اللي بيحركك من جوا، هتبدأ لأول مرة تختار رد فعلك بدل ما جروحك تختارهولك.


وفي المقال القادم نقترب أكثر من سؤال جديد:


لماذا نتمسك بقرار حتى بعد أن نكتشف أنه لم يكن صحيحًا؟


.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات