لماذا نتصرف بشكل مختلف عندما نكون تحت الضغط؟

| لماذا نتصرف بشكل مختلف عندما نكون تحت الضغط؟



في الوقت الذي يكون فيه عقلنا منشغلًا، لماذا نتصرف بشكل مختلف تمامًا عندما نكون تحت الضغط؟


نقول كلمة نندم عليها، نتخذ قرارًا سريعًا، أو نفقد اتزاننا.


بقلم: أ. منه الله محمود كامل

مدرب ومحاضر في التربية الإيجابية | الإرشاد الأسري 


أحيانًا نفعل تحت الضغط أشياء لا تشبهنا، أو نفقد تركيزنا، أو نتصرف بعصبية رغم أننا في الظروف العادية أكثر هدوءًا.


فهل الضغط يغير شخصيتنا فعلًا؟ أم يغير الطريقة التي يعمل بها عقلنا مؤقتًا؟


الظاهرة: عندما لا نكون في أفضل حالاتنا


عندما نشعر بضغط شديد، يدخل الجسم في حالة من الاستعداد للتعامل مع الموقف. هذه الاستجابة تساعدنا على التحرك والتعامل مع الخطر أو التحدي، لكنها في الوقت نفسه قد تؤثر في بعض العمليات العقلية التي نحتاجها للتفكير الهادئ والتحكم في السلوك.


هذه الاستجابة ليست سيئة في حد ذاتها؛ فهي آلية طبيعية تساعدنا على التعامل مع المواقف الصعبة. لكن عندما يرتفع الضغط بشدة، تبدأ بعض الوظائف العقلية التي نحتاجها للتفكير الهادئ والتحكم في السلوك بالتأثر.


وهنا تبدأ المفارقة: نحن نحتاج إلى عقل أكثر هدوءًا بالتعامل مع الضغط.


وتشير مراجعة تحليلية للعديد من الدراسات إلى أن الضغط الحاد يمكن أن يؤثر على بعض الوظائف التنفيذية، مثل الذاكرة العاملة والمرونة المعرفية، وهي قدرات نحتاجها للتفكير وتنظيم السلوك. (شيلدز وزملاؤه، 2016)


ماذا يحدث للانتباه؟


تحت الضغط، لا يتعامل العقل مع كل ما حولنا بالدرجة نفسها من الاهتمام. يميل الانتباه إلى الانجذاب أكثر نحو الشيء الذي نعتبره مهمًا أو مهددًا في اللحظة الحالية.


فمثلًا، عندما يكون الشخص قلقًا جدًا بشأن نتيجة امتحان أو مقابلة عمل، قد يجد نفسه غير قادر على التركيز في حديث آخر؛ لأن جزءًا كبيرًا من انتباهه أصبح مشغولًا بالشيء الذي يسبب له الضغط.


إذن، المشكلة ليست دائمًا أن الشخص «لا يستطيع التركيز»، وإنما أن الضغط قد يغير الأولويات التي يوزع عليها عقله انتباهه.


وتشير مراجعة علمية تناولت تأثير الضغط في وظائف القشرة الجبهية إلى أن الضغط يمكن أن يؤثر في الانتباه والذاكرة العاملة والتحكم في الاستجابة والمرونة المعرفية، وهي وظائف أساسية تساعدنا على تنظيم أفكارنا وسلوكنا. (جيروتي وزملاؤها، 2018)


ولا يتأثر الانتباه وحده بالضغط، بل يمكن أن تتأثر أيضًا الذاكرة العاملة، وهي القدرة التي نستخدمها للاحتفاظ بالمعلومات في أذهاننا لفترة قصيرة والتعامل معها أثناء أداء مهمة معينة.


فعندما يكون الشخص منشغلًا بالقلق أو التفكير في مصدر الضغط، قد تستهلك هذه الأفكار جزءًا من موارده العقلية، مما يجعل من الصعب عليه الاحتفاظ بكل المعلومات التي يحتاج إليها في اللحظة نفسها.


لذلك قد ينسى ما كان يريد قوله، أو يفقد تسلسل أفكاره، أو يجد صعوبة في متابعة أكثر من أمر في الوقت نفسه.


وهذا يوضح لماذا قد نشعر أحيانًا بأن عقلنا أصبح أبطأ أو أكثر تشتتًا أثناء المواقف الضاغطة، رغم أن قدراتنا العقلية لم تختفِ.


لماذا يصبح اتخاذ القرار مختلفًا؟


عندما نكون هادئين، نستطيع عادة أن نتوقف ونفكر: ما الخيارات المتاحة؟ ما نتيجة كل اختيار؟ وهل ما أريده الآن هو فعل ما أريده على المدى البعيد؟


لكن تحت الضغط، قد يصبح التفكير أكثر سرعة وأقل مرونة، وقد ننشغل بالحل الأسرع للمشكلة الحالية بدلًا من التفكير في الصورة كاملة.


وهنا تظهر نقطة مهمة: القرار الأسرع ليس بالضرورة القرار الأفضل.


فقد يكون التخلص من الشعور المزعج هو الهدف غير المعلن وراء بعض قراراتنا تحت الضغط، حتى لو كان القرار نفسه سيخلق مشكلة أكبر لاحقًا.


وتشير مراجعة علمية متخصصة في اتخاذ القرار تحت الضغط إلى أن الضغط يمكن أن يغير طريقة معالجة المعلومات وتقييم المخاطر والمكافآت، لكن تأثيره لا يكون واحدًا في كل المواقف، بل يختلف بحسب طبيعة الموقف وشدة الضغط والظروف المحيطة بالشخص. (ستاركه وبراند، 2012)


وماذا عن التحكم في السلوك؟


أحيانًا نعرف جيدًا ما يجب أن نفعله، لكننا لا نفعله.


نعرف أننا لا يجب أن نصرخ… فنصرخ.


نعرف أن علينا أن ننتظر قبل الرد… فنرد فورًا.


نعرف أن القرار يحتاج إلى وقت… فنأخذ قرارًا سريعًا.


لأن التحكم في السلوك لا يعتمد فقط على معرفة ما هو صحيح، وإنما يحتاج إلى القدرة على إيقاف الاستجابة التلقائية، ومراجعة الموقف، والنظر في البدائل، ثم اختيار السلوك المناسب.


وتساعدنا هذه القدرة على ألا نتصرف وفق أول استجابة تخطر في أذهاننا، بل أن نتوقف لحظة ونفكر في النتيجة قبل أن نتصرف.


وتحت الضغط قد تصبح هذه المساحة الصغيرة بين الانفعال والتصرف أصعب، ولذلك قد نتصرف بطريقة لا تشبهنا في الظروف العادية.


وهذا يفسر لماذا قد نتصرف تحت الضغط بطريقة لا تعكس بالضرورة قيمنا أو شخصيتنا المعتادة. فالمشكلة ليست دائمًا في أننا لا نعرف التصرف الصحيح، وإنما في أن الوصول إلى هذا التصرف يصبح أصعب عندما يكون العقل منشغلًا بدرجة كبيرة بالتعامل مع الضغط.


كما يمكن أن يؤثر الضغط في شدة انفعالاتنا وطريقة التعبير عنها. فعندما يكون الإنسان في حالة توتر مرتفعة، قد يصبح أكثر حساسية للمواقف التي يفسرها على أنها تهديد أو استفزاز، فيكون رد الفعل أسرع وأقوى من المعتاد.


وقد يظهر ذلك في صورة عصبية أو انفعال أو رغبة في الانسحاب من الموقف.


ولا يعني هذا أن الضغط يبرر السلوك المؤذي، لكنه يساعدنا على فهم سبب زيادة بعض الاستجابات الانفعالية في لحظات الضغط.


ومن هنا تأتي أهمية التوقف قبل التصرف، لأن المسافة الصغيرة بين الشعور والاستجابة قد تمنحنا فرصة لاختيار سلوك أكثر توافقًا مع ما نريده فعلًا.


هل الضغط دائمًا يجعلنا أسوأ؟


ليس بالضرورة.


فالضغط ليس تأثيرًا واحدًا في كل المواقف، ولا يتعامل معه جميع الأشخاص بالطريقة نفسها.


قدر معين من الاستثارة قد يساعدنا على اليقظة وسرعة الاستجابة، لكن عندما يصبح الضغط شديدًا، قد تبدأ بعض القدرات التي تحتاج إلى تفكير معقد ومرن في التراجع.


ماذا يمكن أن نفعل عندما نكون تحت الضغط؟


ربما لا نستطيع دائمًا منع الضغوط، لكن يمكننا أن نتعلم ملاحظة تأثيرها علينا قبل أن تتولى الانفعالات قيادة سلوكنا.


عندما نشعر بأننا في حالة توتر شديدة، قد يكون من المفيد أن نتوقف للحظة، ونؤجل القرارات المهمة إن أمكن، ونسأل أنفسنا:


هل أتصرف الآن بناءً على ما أريد فعله، أم فقط أحاول التخلص من الضغط الذي أشعر به؟


ويمكن أن يساعدنا أيضًا أن ننتبه إلى الإشارات التي تظهر علينا عند ارتفاع الضغط، مثل: سرعة الغضب، والتشتت، والتسرع في الرد، أو صعوبة التفكير في أكثر من خيار.


ملاحظة هذه العلامات مبكرًا تعطينا فرصة للتوقف وإعادة تقييم الموقف قبل اتخاذ قرار قد نندم عليه لاحقًا.


لذلك، فإن التعامل مع الضغط لا يعني أن نمنع أنفسنا من الشعور به، وإنما نتعلم كيف نتصرف عندما نشعر به.


وقد يكون أخذ استراحة قصيرة، أو تأجيل هذا الرد، أو التحدث مع شخص نثق به، أو العودة إلى الموقف بعد أن نهدأ، خطوات بسيطة تساعدنا على استعادة قدر أكبر من التركيز والتحكم.


في النهاية


لا يعني تصرفنا بشكل مختلف تحت الضغط أن الضغط كشف شخصيتنا الحقيقية، بل قد يكون انعكاسًا مؤقتًا لتأثيره في الانتباه واتخاذ القرار والتحكم في السلوك.


وفهم هذا التأثير يساعدنا على أن نكون أكثر وعيًا بأنفسنا، وأن نمنح عقولنا فرصة للهدوء قبل اتخاذ القرارات.


فليس الهدف أن نمنع الضغط تمامًا، وإنما أن نتعلم كيف نتعامل معه دون أن نسمح له بأن يقود سلوكنا.


وفي المقال القادم نقترب أكثر من سؤال جديد:


لماذا نعرف ما يجب أن نفعله… ثم نفعل عكسه؟


.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات