| لماذا يصعب علينا الاعتراف بأننا أخطأنا؟
ما الذي يحدث داخل العقل أثناء الخطأ؟
بقلم: أ. راندا حسين حسيني
أخصائي إرشاد أسري | معالج CBT
تعالوا بنا نبحر داخل عقل الإنسان عندما يخطئ…
في البداية، يحصل تصادم قوي بين:
(أنا أخطأت) و(أنا شخص رائع لا يخطئ)، بمعنى تصادم بين الواقع والصورة التي نريد أن نراها عن أنفسنا.
يحاول العقل حل هذا التصادم عن طريق التبرير، وقد يتورط الإنسان في أخطاء أخرى؛ لأنه يبرر الخطأ الأول، فيدافع عنه بدل تصحيحه أو الاعتراف به.
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر…
لماذا يصعب على الإنسان الاعتراف بالخطأ؟
شعور مزعج جدًا يحدث عندما تختلف أفعالنا وقراراتنا عن الصورة الذاتية لأنفسنا، فنبحث عن حماية صورة الذات بأن نرى أنفسنا أشخاصًا أذكياء وأخلاقيين.
نلجأ بعد ذلك إلى التبرير، فالعقل قد يبحث عن أعذار وأسباب تساعدنا على الحفاظ على شعورنا بأننا على صواب، ولا يكتفي بالتبرير، بل قد يقودنا إلى الخوف من النقد وفقدان مكانتنا واحترامنا.
ويوهمنا أن الاعتراف بالخطأ من سمات الجبناء، ويبدأ في الأسئلة الواهية:
«إذا كنت شخصًا حكيمًا، فلماذا اتخذت هذا القرار؟»
ونبدأ في رحلة جلد الذات والحكم الشامل على الذات، وهذا ما يرتبط بمفهوم التنافر المعرفي Cognitive Dissonance، وهو حالة من التوتر النفسي قد تنشأ عندما يوجد تعارض بين أفكار الإنسان ومعتقداته أو بين معتقداته وسلوكه.
وقد قدم عالم النفس ليون فستنجر Leon Festinger هذا المفهوم، وافترض أن وجود هذا التعارض قد يدفع الإنسان إلى محاولة تقليل التوتر الناتج عنه، ومن طرق ذلك إعادة تفسير الموقف أو تبرير السلوك.
فيقول:
«لم يكن لي من خيار آخر.»
«هم الذين دفعوني لذلك.»
وهذا ما يسمى بالتبرير النفسي.
وليس معناه دائمًا الكذب، بل هو عملية نفسية يحاول الإنسان من خلالها تقديم تفسير مقبول لسلوك يصعب عليه تصديقه أو تقبله.
ومن الاستجابات الشائعة للخطأ لوم الظروف أو الآخرين، وبدل الاعتراف بأنني إنسان مسموح له بالخطأ وتحمل المسؤولية، قد يلجأ الإنسان إلى إلقاء المسؤولية على الظروف أو الآخرين لتخفيف الشعور بالذنب والندم.
إن النضج النفسي لا يقوم على جلد الذات، ولا يقوم أيضًا على الإنكار ورمي المسؤولية على الآخرين، بل هو القدرة على تحديد:
(ما هو بيدي)
(وما هو ليس بيدي)
وأن نتعلم ألا نحكم على أنفسنا بالفشل، ولا نربط قيمتنا الشخصية بالخطأ الذي ارتكبناه.
فالشخص الناضج نفسيًا لا يحتاج أن يثبت أنه دائمًا على حق، بل يستطيع أن يقول:
«أنا أخطأت.»
وبالتالي، ليس معنى ذلك أنني إنسان فاشل.
هذا التحول بين الانتقال من الهوية كإنسان، والنظرة المرنة للذات…
فالإنسان ليس مجموع قرارات خاطئة، ولا مجموع قرارات صائبة، بل الإنسان كائن من خلق رب العالمين، يخطئ ويتعلم من أخطائه.
ولابد أن نتعلم أن النضج النفسي لا يعني أننا مثاليون ونظهر في أحسن صورة، ونتعلم أيضًا أننا أشخاص واقعيون نتسم بالمرونة، ونقول:
نحن جيدون رغم أننا نخطئ.
وفي المقال القادم نقترب أكثر من سؤال جديد:
لماذا نتصرف بشكل مختلف عندما نكون تحت الضغط؟
.
