لماذا يبدو الشخص الذي نختلف معه غير منطقي؟
أسباب ظهور المخالف بصورة غير منطقية
وهم المنطق والعدسات الملوّنة: لماذا نرى المخالفين لنا كأنهم بلا عقول؟ 🧠
بقلم: مي الشوربجي
معالج شعوري وباحث ماجستير في الصحة النفسية
في غمرة نقاش حاد مع صديق، أو شخص قريب أو بعيد، كثيرًا ما يتردد في أذهاننا هذا السؤال الاستنكاري:
كيف يمكن لشخص عاقل أن يفكر بهذه الطريقة؟
في تلك اللحظة، يبدو لنا الطرف الآخر وكأنه يعيش في كوكب آخر؛ مجردًا من المنطق، عاجزًا عن رؤية الحقائق البديهية.
لكن هل فكرنا يومًا أن الطرف الآخر قد ينظر إلينا بالعدسة نفسها، ويرى في منطقنا قمة الغرابة واللاعقلانية؟
الحقيقة النفسية تخبرنا أننا لا نرى العالم كما هو تمامًا، بل نراه من خلال الطريقة التي ندركه ونفسره بها.
وعندما نختلف مع شخص ما، فإننا لا نختبر ذكاءه بقدر ما نختبر مسلماته، وخبراته، وانحيازاته المعرفية، وطريقة تفسيره للمعلومات.
فالعقل البشري يميل إلى حماية قناعاته من خلال آليات معرفية متعددة، من بينها التحيز التأكيدي Confirmation Bias؛ حيث قد نميل إلى الانتباه إلى المعلومات التي تتوافق مع أفكارنا، وإعطائها وزنًا أكبر، بينما نعيد تفسير المعلومات المخالفة أو لا نعطيها الوزن نفسه.
بالإضافة إلى ذلك، يميل الإنسان إلى اعتبار مرجعيته الفكرية وتجربته الشخصية معيارًا لما هو منطقي، وما يخرج عن هذا الإطار قد يبدو له انحرافًا عن الصواب.
وهنا تظهر فكرة مهمة في علم النفس الاجتماعي تُعرف بـ الواقعية الساذجة Naïve Realism: ميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن رؤيته للواقع تعكس الواقع بصورة موضوعية، وأن من يختلف معه لا بد أن يكون أقل اطلاعًا، أو أقل عقلانية، أو أكثر تحيزًا. (APA Dictionary)
دعونا نتأمل قصة مؤثرة
تخيلوا طبيبًا جراحًا بارعًا يُدعى «س»، معروفًا بالصرامة الشديدة والتفاني في عمله.
في ليلة عاصفة، استُدعي بشكل عاجل إلى المستشفى لإنقاذ طفل في حالة حرجة جدًا إثر حادث سير.
وصل الطبيب سريعًا، وعند غرفة العمليات وجد والد الطفل يرتجف غضبًا وقلقًا.
وبمجرد أن رأى الوالد الطبيب، صرخ في وجهه مستنكرًا:
«لماذا كل هذا التأخير؟ أنت لا تملك قلبًا؟ ألا تدرك أن حياة ابني في خطر؟ أين إنسانيتك ومنطقك المهني؟»
لم يرد الطبيب، بل اكتفى بابتسامة باهتة، وطلب من الأب الهدوء، ثم دخل غرفة العمليات.
استغرقت الجراحة المعقدة عدة ساعات طويلة، ثم خرج الطبيب وبشّر الأب بنجاح العملية ونجاة ابنه.
ثم غادر المستشفى مسرعًا، دون أن ينتظر كلمة شكر من الأب.
غضب الأب من تصرف الطبيب، والتفت إلى ممرضة قائلًا:
«يا له من طبيب متبلد المشاعر! كيف ينجح في إنقاذ ابني، ثم يرحل بهذه الطريقة دون أن يطمئن قلبي؟ هذا تصرف غير منطقي.»
هنا انهمرت دموع الممرضة، وقالت له بصوت مخنوق:
«يا سيدي، لا تحكم على الناس من خلال قشرة منطقك الخاص.
لقد توفي ابن الدكتور في حادث سير هذا الصباح، وكان في مأتمه عندما اتصلنا به لإنقاذ ابنك.
لقد ترك دفن فلذة كبده وجاء مسرعًا ليمنح ابنك فرصة ثانية للحياة، ثم ذهب مسرعًا ليلحق بوجعه ويدفن ابنه.»
ساد الصمت ثقيلًا، وتلاشت في لحظة كل الأحكام التي أصدرها الأب على الطبيب.
ما بدا للأب سلوكًا غير منطقي وخاليًا من الإنسانية، كان في عمقه فعلًا بالغ التضحية والإنسانية.
لكن الأب لم يكن يملك القصة كاملة.
وهنا تكمن الفكرة.
نحن لا نحكم على السلوك فقط… بل على القصة التي نعرفها عنه
توضح لنا القصة أن السلوك الواحد قد يبدو مختلفًا تمامًا عندما تتغير المعلومات التي نملكها عنه.
فالأب رأى طبيبًا تأخر، ثم لم يتوقف ليتحدث معه، ثم غادر سريعًا.
وبناءً على هذه المعلومات المحدودة، بنى تفسيره.
لكن عندما ظهرت معلومة جديدة، تغيّر معنى السلوك كله.
وهذا لا يعني أن كل سلوك نختلف معه يخفي وراءه بالضرورة سببًا نبيلًا.
لكن يعني شيئًا أكثر أهمية:
أن ما نعرفه عن الموقف ليس بالضرورة كل ما حدث فيه.
لماذا يبدو المخالف لنا غير منطقي؟
لأننا غالبًا لا نرى الموقف من النقطة نفسها.
نحن نمتلك تجارب مختلفة، وذكريات مختلفة، ومعلومات مختلفة، واحتياجات مختلفة، ومرجعيات مختلفة.
وقد نعطي معلومة معينة وزنًا كبيرًا، بينما يعطي الطرف الآخر معلومة أخرى وزنًا أكبر.
لذلك قد يصل شخصان إلى استنتاجين مختلفين، رغم أن كليهما يعتقد أنه يتعامل مع الأمور بمنطق.
وهنا لا يكون السؤال دائمًا:
من الأكثر عقلانية؟
بل قد يكون السؤال الأهم:
ما الذي يراه كل واحد منا، ولا يراه الآخر؟
فالمخالف لنا ليس بالضرورة غبيًا أو جاهلًا أو بلا منطق.
قد يكون شخصًا ينطلق من قاعدة معلومات مختلفة، ويرى المشهد من زاوية لم نصل إليها بعد.
من الحكم إلى الفضول
إدراك هذه الحقيقة لا يعني أن نتخلى عن آرائنا، أو أن نعتبر كل الآراء صحيحة لمجرد أنها مختلفة.
ولا يعني أن نتوقف عن التمييز بين الصواب والخطأ.
لكنه يمنحنا خطوة مهمة قبل إصدار الحكم:
أن نسأل.
ما المعلومات التي يملكها هذا الشخص ولا أملكها؟
ما التجربة التي جعلته يرى الموقف بهذه الطريقة؟
ما الافتراض الذي ينطلق منه؟
وهل أنا أرى الواقع فعلًا كما هو، أم كما يبدو لي من موقعي وتجربتي؟
قد لا نتفق بعد كل هذه الأسئلة.
لكننا على الأقل نكون قد انتقلنا من محاولة إثبات أن الآخر غير منطقي، إلى محاولة فهم كيف أصبح منطقه منطقيًا بالنسبة إليه.
وهذه النقلة الصغيرة قد تكون بداية حقيقية للتفاهم.
لأن الاختلاف لا يصبح مشكلة دائمًا بسبب اختلاف النتائج.
أحيانًا تصبح المشكلة في أننا لا نستطيع أن نتخيل كيف وصل الآخر إلى النتيجة التي وصل إليها.
إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء جسور التفاهم، واستبدال الأحكام القاسية بالفضول المعرفي والتعاطف الإنساني.
وفي المقال القادم نقترب أكثر من سؤال جديد:
لماذا نفسر سلوك الآخرين بطريقة… وسلوكنا بطريقة أخرى؟
.
