لماذا نفسر سلوك الآخرين بطريقة… وسلوكنا بطريقة أخرى؟
عندما يكون للآخرين «طبع»… ويكون لنا «ظرف»
بقلم: د. سماح يحيى
أخصائي الإرشاد الأسري وتعديل السلوك
هل لاحظت أنك عندما تتأخر عن موعد ما، يكون لديك تفسير منطقي؟
«الطريق كان زحمة.»
«حصل ظرف.»
«كنت مضغوطًا اليوم.»
«أنا أصلًا كنت ناوي أتحرك بدري.»
لكن عندما يتأخر شخص آخر…
قد يكون تفسيرك مختلفًا تمامًا:
«هو مهمل.»
«مش بيحترم مواعيده.»
«دايمًا مستهتر.»
«هو أصلًا شخص غير مسؤول.»
السلوك واحد.
لكن التفسير مختلف.
وهنا يظهر سؤال مهم:
لماذا نمنح أنفسنا تفسيرًا يعتمد على الظروف، بينما نفسر سلوك الآخرين أحيانًا باعتباره انعكاسًا لشخصيتهم؟
أنت تعرف قصتك كاملة… ولا تعرف قصة الآخر
عندما يصدر منك سلوك ما، فأنت لا ترى السلوك فقط.
أنت تعرف ما سبقه:
تعرف أنك لم تنم جيدًا.
تعرف أنك كنت تحت ضغط.
تعرف المشكلة التي حدثت قبل خروجك.
تعرف نيتك.
وتعرف أنك «لم تكن تقصد» أن تؤذي أو تتجاهل أو تتأخر.
أما عندما ترى شخصًا آخر يتصرف بالطريقة نفسها، فأنت غالبًا ترى النتيجة فقط.
لا ترى كل ما حدث قبله.
فتصبح لديك معلومات كثيرة عن ظروفك، ومعلومات قليلة عن ظروفه.
وهذا يجعل الحكم عليه أسهل مما ينبغي.
هنا يعمل «خطأ الإسناد الأساسي»
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف خطأ الإسناد الأساسي Fundamental Attribution Error بأنه ميلنا إلى إعطاء وزن أكبر للخصائص الشخصية عند تفسير سلوك الآخرين، مقارنة بالظروف المحيطة بهم، خاصة عندما تكون الظروف أقل وضوحًا لنا.
شخص لم يرد على رسالتك؟
قد تقول:
«متكبر.»
لكن عندما لا ترد أنت؟
«كنت مشغولًا.»
شخص انفعل في نقاش؟
«عصبي ومش متزن.»
عندما تنفعل أنت؟
«أنا كنت مضغوطًا جدًا.»
شخص أخطأ في قرار؟
«متهور.»
عندما تخطئ أنت؟
«المعلومات وقتها كانت ناقصة.»
نحن لا نكذب بالضرورة على أنفسنا.
لكننا نملك رواية كاملة عن أنفسنا، بينما نمتلك غالبًا مشهدًا واحدًا فقط عن الآخرين.
من سلوك واحد… إلى شخصية كاملة
المشكلة لا تبدأ عندما نقول:
«هو أخطأ.»
المشكلة تبدأ عندما تتحول الجملة إلى:
«هو شخص مخطئ.»
ثم:
«هو شخص لا يمكن الاعتماد عليه.»
ثم:
«هو أصلًا كده.»
وهنا ننتقل من وصف سلوك إلى الحكم على شخصية كاملة.
تأخر مرة…
فأصبح «مهملًا».
رفع صوته مرة…
فأصبح «عدوانيًا».
رفض طلبًا…
فأصبح «أنانيًا».
نسي شيئًا…
فأصبح «غير مسؤول».
بينما نحن عندما نخطئ، نحتفظ غالبًا بمساحة أكبر لتفسير أنفسنا:
«أنا مش كده… بس الظروف كانت صعبة.»
وهذه المساحة التي نعطيها لأنفسنا، نحتاج أن نتعلم إعطاء جزء منها للآخرين أيضًا.
لكن هل هذا يعني أن كل سلوك له عذر؟
بالطبع لا.
وهنا يجب أن نفرق بين الفهم والتبرير.
أن أحاول فهم الظروف التي دفعت شخصًا إلى التصرف بطريقة معينة، لا يعني أنني أوافق على تصرفه.
يمكنني أن أقول:
«أفهم لماذا غضبت… لكن طريقة تعبيرك عن غضبك كانت مؤذية.»
ويمكنني أن أقول:
«أعرف أنك كنت تحت ضغط… لكن هذا لا يلغي مسؤوليتك عما فعلته.»
الفهم لا يلغي المسؤولية.
بل قد يجعلها أكثر دقة.
فبدل أن أقول:
«أنت شخص سيئ.»
أستطيع أن أقول:
«هذا السلوك كان مؤذيًا، وأريد أن أفهم ما الذي حدث حتى لا يتكرر.»
وهذا فرق هائل.
ولماذا تصبح المسألة أخطر داخل العلاقات؟
لأننا لا نرى سلوك الشخص منفصلًا عن تاريخنا معه.
إذا كنت مختلفًا مع شخص أصلًا، فأي سلوك جديد قد يصبح «دليلًا» على الصورة التي تكونت عنه مسبقًا.
نسي أن يتصل؟
«أهو شايف نفسه.»
تأخر؟
«كالعادة.»
اعترض على رأيك؟
«هو عمره ما بيفهم.»
وهنا لا نعود نتعامل مع الحدث الجديد كما هو، بل نضعه داخل قصة قديمة عن الشخص.
وهذا يمكن أن يصنع دائرة:
توقع سلبي → تفسير سلبي → رد فعل سلبي → علاقة أكثر توترًا → مزيد من الأدلة التي تؤكد توقعنا.
وفي النهاية نعتقد أننا كنا على حق منذ البداية.
قبل أن تحكم… اترك مساحة للتفسير
أحيانًا لا يكون السؤال:
«لماذا فعل هذا؟»
بل:
«لماذا فسرت أنا ما فعله بهذه الطريقة تحديدًا؟»
ما الذي أعرفه فعلًا؟
وما الذي افترضته؟
هل رأيت السلوك فقط، أم فسرت النية وراءه؟
هل لدي معلومات كافية؟
هل يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى لا أعرفها؟
ولو أن السلوك نفسه صدر مني…
هل كنت سأحكم على نفسي بنفس القسوة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن نتجاهل الأذى، ولا أن نعطي كل شخص عذرًا.
لكنها تمنعنا من تحويل تفسيرنا إلى حقيقة.
في النهاية…
نحن نرى أنفسنا من الداخل، بكل دوافعنا وظروفنا ونوايانا.
ونرى الآخرين غالبًا من الخارج، من خلال سلوك واحد أو موقف واحد أو كلمة واحدة.
ولهذا قد نكون أكثر رحمة مع أخطائنا، وأكثر قسوة في تفسير أخطاء الآخرين.
لكن النضج النفسي لا يعني أن نعذر أنفسنا دائمًا، ولا أن نعذر الآخرين دائمًا.
بل أن نتعلم استخدام المعيار نفسه في الاتجاهين.
إذا كان لظروفي الحق في أن تُفهم…
فربما لظروف الآخر أيضًا حق في أن تُفهم.
وإذا كنت أطلب من الآخرين ألا يحكموا عليّ من موقف واحد…
فربما يجب ألا أفعل الشيء نفسه معهم.
فليس كل ما نراه في سلوك الآخر هو شخصيته…
كما أن ليس كل ما نراه في سلوكنا هو نيتنا.
وربما السؤال الأهم ليس:
«لماذا هو يتصرف هكذا؟»
بل:
«هل أنا أفسر سلوكه بنفس العدالة التي أفسر بها سلوكي؟»
