كيف يصنع العقل قصته الخاصة عن العالم؟ ولماذا لا يرى الجميع الحقيقة بالطريقة نفسها؟


 كيف يصنع العقل قصته الخاصة عن العالم؟ ولماذا لا يرى الجميع الحقيقة بالطريقة نفسها؟


✍🏻 هشام نوار


هناك سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه يفسر جانبًا كبيرًا من خلافات البشر، وآلامهم، وسوء فهمهم لأنفسهم وللآخرين:


إذا كان العالم واحدًا… فلماذا يعيش كل إنسان في عالم مختلف؟


تخيل أن خمسة أشخاص شهدوا الموقف نفسه.


الأول خرج مقتنعًا أن الناس لا يُؤتمنون.


والثاني قال: “ما زلت أؤمن بخير الناس.”


أما الثالث، فحمّل نفسه المسؤولية كاملة.


والرابع لم يرَ في الأمر ما يستحق التفكير أصلًا.


بينما ظل الخامس يتذكر ذلك المشهد سنوات، وكأنه غيّر مجرى حياته.


ما الذي حدث؟


هل كانت هناك خمسة أحداث مختلفة؟


أم أن هناك خمسة عقول روت القصة نفسها بخمس روايات مختلفة؟


هنا نصل إلى حقيقة قد تبدو غريبة في البداية:


نحن لا نعيش العالم كما هو… بل كما يفسره عقلنا.


قد تبدو هذه العبارة مبالغة، لكنها في الحقيقة واحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في علم النفس المعرفي.


فالعقل لا يستقبل الواقع كما تستقبله الكاميرا، بل يعيد تنظيمه قبل أن يتحول إلى تجربة واعية. فهو ينتقي ما يلتفت إليه، ويمنحه معنى، ثم ينسج حوله قصة تبدو لصاحبها حقيقة لا تقبل الشك.


لنفترض أن هاتفك أضاء برسالة قصيرة تقول:


“أحتاج أن أتحدث معك.”


الكلمات نفسها…


لكن ما الذي يحدث داخل العقول؟


شخص يبتسم ويقول: “لا بد أنه يريد أن يشاركني خبرًا.”


وآخر يتوتر فورًا: “هل أخطأت في شيء؟”


وثالث يشعر بالرفض قبل أن تبدأ المحادثة أصلًا.


ما الذي صنع هذه المشاعر؟


ليست الكلمات…


بل المعنى الذي منحه العقل لهذه الكلمات.


وهنا تكمن إحدى أهم وظائف العقل.


فنحن لا نستجيب للأحداث مباشرة، بل نستجيب لتفسيرنا لها.


ولهذا قد يعيش شخصان التجربة نفسها، بينما يخرج كل منهما بنتيجة مختلفة تمامًا.


لكن من أين تأتي هذه التفسيرات؟


يطلق علماء النفس على هذه العدسات الداخلية اسم المخططات المعرفية (Schemas)، وهو مفهوم طوّره عالم النفس آرون بيك ضمن العلاج المعرفي.


وهي قوالب ذهنية يبنيها العقل عبر سنوات العمر، من الخبرات، والتربية، والتجارب، والرسائل التي تلقيناها عن أنفسنا وعن الآخرين.


وجود هذه المخططات ضروري؛ فهي تساعدنا على فهم العالم بسرعة واتخاذ قراراتنا بكفاءة.


لكنها قد تجعلنا أحيانًا نرى ما نتوقع أن نراه… أكثر مما هو موجود بالفعل.


فمن يحمل داخله اعتقادًا بأنه غير كافٍ، قد يفسر المواقف المحايدة على أنها نقد.


ومن يخشى الرفض، قد يرى التجاهل حتى عندما لا يكون موجودًا.


ومن ينتظر الخيانة، قد يلتقط كل إشارة تؤكد توقعه، ويتجاوز عشرات الإشارات التي تنفيه.


وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.


نحن نتصور أن العقل يبحث دائمًا عن الحقيقة.


لكن في كثير من الأحيان…


العقل يتصرف كمحامٍ أكثر منه قاضيًا.


فالقاضي يجمع الأدلة ليصل إلى الحقيقة.


أما المحامي، فينتقي من الأدلة ما يدعم الرواية التي يدافع عنها.


وهذا ما يفعله العقل أحيانًا.


فإذا اقتنع أنك فاشل، استدعى كل موقف أخفقت فيه، ومرّ بصمت على كثير من النجاحات.


وإذا اقتنع أن الناس لا يحبونك، جعلك تتذكر كل موقف شعرت فيه بالتجاهل، بينما يتضاءل في ذاكرتك كل موقف احتواء أو تقدير.


العقل هنا لا يكذب…


لكنه ينتقي.


ويرتب.


ويربط بين الأحداث.


ثم يبني منها رواية متماسكة، حتى تبدو وكأنها الحقيقة نفسها.


وهناك أمر آخر لا يقل أهمية.


العقل لا يحب الفراغ.


إذا غابت معلومة، حاول أن يملأها.


وإذا لم يعرف السبب، بحث عن تفسير.


وإذا لم يجد معنى، صنع معنى.


ولهذا كثيرًا ما نختلف مع الآخرين، لا لأن أحدنا يملك الحقيقة والآخر لا يملكها، بل لأن كل واحد منا ينظر إلى العالم من نافذة مختلفة.


وربما لهذا السبب أيضًا، لا تكون أكبر معارك الإنسان مع الواقع…


بل مع القصة التي كوّنها عن الواقع.


قصة قد تبدأ بجملة سمعها طفلًا.


أو بتجربة مؤلمة لم يجد من يساعده على فهمها.


أو باستنتاج ظنه حقيقة، ثم عاش سنوات يتصرف على أساسه.


ومع كل مرة يكرر فيها العقل هذه القصة، تصبح أكثر إقناعًا.


ثم يبدأ، دون أن نشعر، في البحث عن كل دليل يؤكدها.


حتى يأتي يوم لا نعود فيه نميز بين الواقع… وبين تفسيرنا للواقع.


وهنا يبدأ النضج النفسي.


ليس عندما نتوقف عن تفسير ما يحدث حولنا، فهذا مستحيل.


وليس عندما نغيّر العالم، فهذا ليس في أيدينا دائمًا.


بل عندما نمتلك الشجاعة لنسأل أنفسنا:


هل ما أراه هو الحقيقة فعلًا…؟


أم أنها القصة التي ظل عقلي يرويها لي، حتى صدقتها؟


ربما لن نستطيع يومًا أن ننظر إلى العالم بلا أي عدسات.


لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نفحص هذه العدسات، قبل أن نصدق كل ما نراه من خلالها.


فليست كل فكرة حقيقة.


وليست كل مشاعرنا دليلًا على الواقع.


وأحيانًا، لا يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان أن يغيّر العالم من حوله…


بل أن يراجع القصة التي ظل عقله يرويها له، حتى أصبحت جزءًا من هويته.


فالحقيقة لا تبدأ عندما تتغير الأحداث…


بل عندما نمتلك الشجاعة لنراجع الرواية التي اعتدنا أن نسميها: الواقع.


في المقال القادم:


📖 متى تصبح القوة قناعًا للهشاشة؟


🌿 جذور النفس

رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات