هل يمكن أن يرث الإنسان الخوف؟
بين الجينات والتربية وجراح الأجداد
بقلم: كوتش داليا محفوظ
منذ الطفولة ونحن نسمع: “إوعى، خلي بالك، الدنيا تخوف”. نكبر ونجد أنفسنا نرتجف من أشياء لا نفهمها. نخاف من الفقد رغم الأمان، ومن الجوع رغم الشبع، ومن الناس رغم عدم تعرضنا للأذى. فهل الخوف ينتقل إلينا كما ينتقل لون العين؟
الحقيقة أن الخوف لا يُورث كاملًا، لكنه قد يصل إلينا عبر ثلاثة مسارات متشابكة: الاستعداد الوراثي، والتربية، وتأثيرات الصدمات العابرة للأجيال.
أولًا: الوراثة - البصمة البيولوجية
الجينات لا تعطينا خوفًا محددًا، لكنها قد تمنحنا استعدادًا بيولوجيًا أكبر للاستجابة للخوف. فهناك جينات تؤثر في تنظيم بعض النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، والتي ترتبط بتنظيم المزاج والاستجابة للضغوط. كما أن بعض الأطفال يولدون بدرجة أعلى من الحساسية للمثيرات، أو بما يُعرف بالحساسية العالية (High Sensitivity)، فيكون جهازهم العصبي أكثر قابلية للاستجابة للمؤثرات.
وقد أشارت دراسات التوائم إلى أن ما يقارب 30% إلى 40% من قابلية الإنسان للإصابة بالقلق أو الاستجابة المفرطة للخوف قد يرتبط بعوامل وراثية. بمعنى آخر: الجينات تمنحنا استعدادًا، لكنها لا تحدد ممن أو ممَّ سنخاف.
ثانيًا: التربية - المدرسة الأولى للخوف
وهي من أكثر العوامل تأثيرًا؛ لأنها تحدث بصمت. فنحن لا نتعلم الخوف من الكتب، بل كثيرًا ما نتعلمه من ملاحظة من حولنا.
فالطفل الذي يرى أمه تصرخ وتهرب من كلب، قد يتعلم أن “الكلب = خطر”، حتى لو لم يتعرض للأذى منه قط.
والطفل الذي يسمع كل يوم: “إوعى تطلع لوحدك، الناس مش مضمونة”، قد تتكون لديه قناعة بأن العالم مكان غير آمن.
كما أن الحماية الزائدة قد تحرمه من خبرات التعلم الطبيعية. فالطفل الذي لا يُمنح فرصة للمحاولة والخطأ والتجربة، قد يجد صعوبة لاحقًا في مواجهة المواقف الجديدة، فيزداد لديه الشعور بالخوف وعدم الثقة.
ثالثًا: الصدمات العابرة للأجيال - جراح لم نعشها
وهذا من أكثر الموضوعات إثارة للاهتمام في علم النفس والبيولوجيا الحديثة. فقد كشفت أبحاث علم التغيرات فوق الجينية (Epigenetics) أن التعرض لصدمات شديدة، مثل الحروب أو المجاعات أو الفقد، قد يؤدي إلى تغيرات في طريقة عمل بعض الجينات، دون أن يغير تركيبها نفسه.
وقد وجدت بعض الدراسات اختلافات في تنظيم هرمون الكورتيزول لدى أبناء أو أحفاد أشخاص تعرضوا لصدمات قاسية، مثل الناجين من الهولوكوست، مما يشير إلى احتمال انتقال بعض آثار الضغوط عبر الأجيال، مع التأكيد أن هذا المجال لا يزال محل بحث علمي مستمر.
وفي مجتمعاتنا، قد نلاحظ أثر ذلك إلى جانب تأثير التربية والثقافة الأسرية. فالعائلات التي عاشت فقرًا شديدًا، أو حروبًا، أو تهجيرًا، قد تنقل للأبناء أنماطًا من الخوف أو الحذر، سواء عبر الخبرات الحياتية أو أساليب التنشئة، فيبدو وكأن الجسد يتذكر ما لم يعشه العقل.
الخاتمة: هل هو حكم نهائي؟
لا. أن يصل الخوف إلينا لا يعني أن يبقى فينا. فالدماغ يمتلك قدرة على التغير والتكيف، والاستعدادات الوراثية ليست قدرًا محتومًا، كما أن آثار التجارب يمكن العمل على تجاوزها وبناء أنماط أكثر صحة.
يمكن لكل واحد منا أن يكون نقطة التوقف. أن يقول: “هذا الخوف ورثت بعض أسبابه أو تعلمته، لكنني لن أورثه.”
لأن الشجاعة أيضًا يمكن أن تُكتسب… وتُورَّث بالتربية والقدوة.
في المقال القادم:
من أين يولد الشعور بعدم الاستحقاق؟
🌿 جذور النفس
رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.
