من أين يولد الشعور بعدم الاستحقاق؟
بقلم: د. محمود عبد الباري
من أصعب المشاعر التي قد يسجن الإنسان نفسه داخلها، ذلك الإحساس الخفي والعميق بأنه “لا يستحق”. هذا الشعور لا يعبر عن مجرد اهتزاز عابر في الثقة بالنفس، بل هو تشوه في إدراك القيمة الذاتية، يجعلك تشعر طوال الوقت بأنك “مزيّف”، وأن أي نجاح تحققه هو ضربة حظ، وأنك لا تستحق الحب، أو التقدير، أو مكانة أفضل في الحياة. فمن أين تتسلل هذه القناعة المدمرة إلى أعماقنا؟
الجذور الأولى تُغرس دائمًا في التربة التي نشأنا فيها. ففي سنوات الطفولة المبكرة، لا يملك الطفل معيارًا مستقلًا لتقييم نفسه، بل يرى صورته في عيون المحيطين به، وتحديدًا الوالدين. وعندما تكون استجابة البيئة المحيطة لاحتياجات الطفل مشروطة دائمًا بالانصياع التام أو بتحقيق إنجازات معينة، يتعلم عقل الطفل معادلة مرهقة: “أنا محبوب فقط إذا كنت كاملًا”. أما إذا واجه الإهمال العاطفي، أو العقاب بالصمت، أو النبذ عند الخطأ، فإنه قد يترجم ذلك داخليًا إلى قناعة راسخة بأن وجوده بذاته ليس كافيًا ليكون محبوبًا. هنا يبدأ تشكل شرخ في صورة الذات، ويبدأ الطفل في ربط قيمته بأدائه الخارجي، لا بجوهر إنسانيته.
ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخوف من عدم الكفاية إلى “ناقد داخلي” شرس. ذلك الصوت الذي يتردد في عقل الإنسان عند كل فرصة جديدة، فيذكره بنقائصه، ويهمس له: “من تظن نفسك لتنال هذا؟”. وتزداد الأزمة عمقًا مع أساليب التنشئة القائمة على المقارنة المستمرة بالآخرين، والنقد الذي يهاجم هوية الشخص لا سلوكه؛ فبدلًا من توجيه الطفل بأن تصرفه كان خاطئًا، يُقال له: “أنت فاشل”. هذا الخلط بين “السلوك” و”الهوية” يجعل الفرد يكبر وهو يحمل حكمًا مؤبدًا على نفسه بالدونية.
ولا تتوقف المسألة عند حدود الطفولة؛ فالصدمات العاطفية المتكررة في مراحل لاحقة من الحياة، مثل خيبات الأمل، والتعرض للرفض غير المبرر، أو العيش في علاقات إنسانية تستنزف أحد الطرفين وتمارس ضده الحصار أو الابتزاز العاطفي، كلها عوامل قد تعيد تنشيط تلك الجروح القديمة. والعقل البشري، في محاولته تفسير: “لماذا حدثت لي هذه القسوة؟”، قد يلجأ أحيانًا إلى الطريق الأسهل، وهو لوم الذات، متبنيًا فكرة: “لقد رحلوا لأنني لا أستحق البقاء”.
في النهاية، فإن الشعور بعدم الاستحقاق ليس قدرًا محتومًا، بل هو في كثير من الأحيان “صوت مستعار” تشكل عبر الخبرات والرسائل التي تلقيناها، حتى ظنناه صوتنا الحقيقي. وكسر هذا السجن يبدأ من إدراك حقيقة بسيطة: قيمتك الإنسانية مستمدة من إنسانيتك وكرامتك، ومن النفس التي نفخها الله فيك، وليست رهنًا بتقييم البشر، ولا مشروطة برضا أحد. والتعافي يبدأ عندما تقرر أخيرًا أن تكون رحيمًا بنفسك، وتهدم جدران الصمت والنقد، لتتصالح مع جراحك القديمة.
في المقال القادم:
هل يمكن أن تكون ذكرياتنا غير دقيقة؟ وكيف يعيد العقل كتابة الماضي؟
.
