متى تصبح القوة قناعًا للهشاشة؟


متى تصبح القوة قناعًا للهشاشة؟



✍🏻 أ. رشا محمد


هناك أشخاص يبدون أقوياء في كل شيء.


لا يشتكون. لا يبكون. لا يطلبون المساعدة.


يبتسمون في أشد لحظات الألم، ويتحملون ما لا يتحمله غيرهم، حتى يظن من حولهم أنهم لا ينكسرون أبدًا.


لكن…


هل كل من يبدو قويًا يعيش القوة فعلًا؟


أم أن بعض صور القوة ليست إلا محاولة لإخفاء هشاشة يخشى صاحبها أن يراها أحد؟


قد يبدو السؤال غريبًا.


لكن علم النفس يميز بين القوة التي تنبع من النضج، والقوة التي تولد من الخوف.


وهما قد يبدوان متشابهين من الخارج…


لكن بينهما فرق كبير.


عندما يصبح الضعف ممنوعًا


منذ سنوات الطفولة، يتلقى كثير منا رسائل متكررة، قد لا تبدو مؤذية في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا مع مرور الوقت.


“لا تبك.”


“كن قويًا.”


“الرجال لا يشتكون.”


“تحمّل.”


“لا تُظهر ضعفك لأحد.”


ومع تكرار هذه الرسائل، لا يتعلم الإنسان دائمًا كيف يتعامل مع مشاعره…


بل يتعلم كيف يخفيها.


فيتحول الحزن إلى صمت.


والخوف إلى سيطرة.


والاحتياج إلى استقلال مبالغ فيه.


والألم إلى ابتسامة.


ليس لأنه لا يشعر…


بل لأنه تعلم أن إظهار مشاعره قد يكلفه القبول، أو الحب، أو الأمان.


عندما تتحول القوة إلى وسيلة للحماية


في علم النفس، يمتلك الإنسان وسائل متعددة لحماية نفسه من الألم النفسي.


وهذه الوسائل قد تكون مفيدة عندما تساعده على تجاوز المواقف الصعبة.


لكنها قد تتحول إلى عبء عندما تصبح طريقته الوحيدة في مواجهة الحياة.


فقد يبالغ شخص في السيطرة لأنه يخشى الفوضى.


ويغرق آخر في العمل لأنه لا يحتمل مواجهة فراغه الداخلي.


ويصر ثالث على أنه لا يحتاج أحدًا، ليس لأنه مكتفٍ، بل لأنه يخاف أن يُخذل إذا احتاج.


من الخارج…


قد تبدو هذه الصور قوة.


لكن في الداخل…


قد يكون الخوف هو الذي يقودها.


القناع الذي لا نشعر به


لا يرتدي الإنسان القناع وهو يعلم أنه يرتديه.


بل يبدأ الأمر بمحاولة بسيطة لحماية نفسه.


ثم يكررها.


ثم يعتادها.


حتى تصبح تلقائية.


فيبتسم عندما يريد البكاء.


ويقول: “أنا بخير”، وهو بالكاد يستطيع الاحتمال.


ويرفض المساندة، رغم حاجته إليها.


ليس لأنه يكذب…


بل لأنه لم يعد يعرف طريقة أخرى للحياة.


وهنا تكمن خطورة الأقنعة.


فهي لا تخدع الآخرين فقط…


بل قد تخدع صاحبها أيضًا.


القوة الحقيقية


القوة النفسية لا تعني ألا نتألم.


ولا أن نتحمل كل شيء وحدنا.


ولا أن نخفي مشاعرنا حتى نظهر متماسكين.


بل تعني أن نعرف ما نشعر به، دون أن نخجل منه.


وأن نعترف باحتياجاتنا، دون أن نعتبرها ضعفًا.


وأن نطلب المساندة عندما نحتاج إليها، دون أن نشعر بأن قيمتنا قد انتقصت.


فقد تكون عبارة:


“أنا متعب.”


أصدق تعبير عن القوة…


أكثر من سنوات طويلة قضاها الإنسان متظاهرًا بأنه بخير.


لماذا نخاف من الضعف؟


لأن بعضنا تعلم، في وقت مبكر من حياته، أن الحب مشروط.


وأن القبول مرتبط بالكمال.


وأن الخطأ يُقابل بالرفض.


وأن الاحتياج يعني العجز.


لهذا لا يحاول الإنسان إخفاء ضعفه عن الآخرين فقط…


بل قد يخفيه عن نفسه أيضًا.


ومع الوقت، ينسى أن هذه الصورة لم تكن حقيقته…


بل كانت طريقته في النجاة.


ما وراء القناع


ليست المشكلة أن يحاول الإنسان حماية نفسه.


فكلنا نفعل ذلك بدرجات مختلفة.


لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول وسيلة الحماية إلى أسلوب حياة.


وعندما يصبح القناع هو الطريقة الوحيدة التي نواجه بها العالم.


حينها، لا يعود السؤال:


كيف أبدو أمام الناس؟


بل يصبح السؤال الأهم:


هل أعيش كما أنا… أم كما تعلمت أن أحتمي؟


وربما لا تبدأ القوة الحقيقية عندما نتعلم كيف نخفي ضعفنا…


بل عندما نتوقف عن احتياج القناع أصلًا.


في المقال القادم:


📖 الهوية… كيف تتحول الفكرة إلى شخص؟


لأن ما يبدأ وسيلةً للحماية…


قد يتحول مع التكرار إلى الطريقة التي نرى بها أنفسنا.


🌿 جذور النفس


رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات