سيناريو مكرر بوجوه مستعارة: لماذا نختار نفس الأشخاص في كل مرة؟


سيناريو مكرر بوجوه مستعارة: لماذا نختار نفس الأشخاص في كل مرة؟



✍🏻 بقلم: أ. فاطمة الزهراء إبراهيم 

أخصائية نفسية 


هل سبق وأن تصفحتِ ألبوم ذكريات علاقاتك السابقة، وفوجئتِ بأنكِ - رغم اختلاف الأسماء والوجوه والخلفيات - كنتِ تعيشين الحكاية ذاتها في كل مرة؟


إنها واحدة من أغرب مفارقات النفس البشرية؛ أن نجد أنفسنا مدفوعين، لا شعوريًا، نحو إعادة إنتاج الخيبات نفسها مع أشخاص مختلفين. ويطلق بعض علماء النفس والمعالجين النفسيين على هذا النمط اسم “النمط العلائقي التكراري”، وهو بمثابة بوابة قد تؤثر في كثير من أنماط علاقاتنا اللاحقة. إنها مرحلة مفصلية في حياتنا؛ فإما أن نطرح الأسئلة الصحيحة ونشخص الخلل، أو نجيب عنها بشكل خاطئ، فنظل عالقين في الحلقة المفرغة ذاتها.


هذا السلوك التكراري لا يحدث من فراغ، بل هو نتيجة “بصمة نفسية” قديمة تركتها تجارب الطفولة، أو المراهقة، أو حتى العلاقات السابقة. هذه البصمة هي التي تحدد شكل الحب الذي نراه “مألوفًا”، حتى وإن كان هذا المألوف مؤلمًا أو غير صحي.


تشريح الدوافع: لماذا نقع في فخ التكرار؟


في كتابه القيم “لا تحب بالصدفة”، يفكك الطبيب النفسي الدكتور خليل الرخاوي الأسباب العميقة التي تجعلنا نكرر هذا النمط المؤلم، وتتلخص في أربعة دوافع جوهرية:


1. الاحتياجات غير المشبعة في الماضي


من أهم أسباب دخولنا في علاقة تكرارية وجود احتياجات نفسية أساسية لم تُشبَع في مرحلة الطفولة أو المراهقة؛ مثل الأمان، والقبول غير المشروط، والاهتمام، والحب. عندما ينشأ الطفل في بيئة تفتقر إلى هذه العناصر، يتولد داخله “جوع عاطفي” يستمر معه حتى البلوغ. هذا الجوع يدفعه - دون وعي - للبحث عن أشخاص يظن أنهم قادرون على إشباع هذه الاحتياجات، حتى وإن كانوا غير مناسبين أو يعيدون تقديم أنماط الأذى نفسها.


2. تجارب مؤلمة لم يتم تجاوزها


قد تعيد التجارب العاطفية أو الأسرية غير المعالجة إنتاج نفسها في علاقاتنا الجديدة. فهذه الخبرات تبقى داخل النفس كجرح مفتوح لم يلتئم، فيميل الإنسان - دون وعي - إلى تكرار السيناريو القديم، أملًا في الوصول هذه المرة إلى نهاية مختلفة أو حل لم يكتمل في الماضي؛ لكن بدلًا من الشفاء، يجد نفسه عالقًا في الدوامة ذاتها.


3. أسئلة معلقة تقود إلى سلوكيات غير سوية


هناك أسئلة داخلية عميقة تتعلق بتقديرنا لذاتنا واستحقاقنا، مثل:


• “لماذا يهجرني الآخرون؟”

• “هل أنا غير كافٍ؟”

• “ما الخطأ الذي أرتكبه دائمًا؟”


هذه الأسئلة لا تظل مجرد أفكار عابرة، بل تتحول إلى محرك خفي يدفعنا لخوض تجارب جديدة مع أشخاص يشبهون الماضي، على أمل إثبات عكس هذه المخاوف؛ لكن النتيجة غالبًا ما تكون تأكيد الخوف القديم من جديد.


4. التعلق المرضي الناتج عن ضعف الثقة بالنفس


عندما يرى الشخص نفسه عاجزًا أو غير قادر على مواجهة الحياة بمفرده، تتولد لديه حاجة مفرطة لوجود شخص “ينقذه” أو “يحميه” باستمرار. هذا النمط لا ينبع من الحب المتوازن، بل من شعور داخلي بالنقص؛ حيث تصبح العلاقة وسيلة للشعور بالأمان، لا مساحة للنمو المتبادل. وهنا قد يقبل الطرف الأضعف بسلوكيات جارحة خوفًا من الوحدة، واضعًا الطرف الآخر في دور “المنقذ” بدلًا من الشريك المتكافئ.


بين “الإيماجو” و”كيمياء الخطاطات”: كيف يحدث التكرار؟


لكي نفهم الكيفية الدقيقة التي تُدار بها هذه اللعبة اللاشعورية، دعونا نستعرض مفهومين يوضحان هذا التناقض النفسي.


أولًا: مفهوم “الإيماجو” (Imago)


في كتابه الشهير “الحصول على الحب الذي تريده”، يشرح الدكتور هارفي هندريكس أن الطفل يبدأ منذ ولادته في تخزين مواقف وملامح وتصرفات الأشخاص الذين تولوا رعايته، وخاصة الوالدين. ويقوم العقل بتجميع هذه الصفات، الإيجابية والسلبية، في صورة داخلية مرجعية تُسمى “الإيماجو” (Imago)، وتعني باللاتينية: الصورة.


وعندما نكبر، قد ننجذب - بصورة لا شعورية - إلى أشخاص يحملون سمات تشبه هذه الصورة الداخلية، ليس رغبة في المعاناة، بل لأن العقل يحاول بصورة غير واعية البحث عن نهاية مختلفة للجروح القديمة، وكأنه يقول: “إذا استطعت أن أحصل على حب هذا الشخص الذي يشبه الصورة القديمة، فقد يلتئم جرحي القديم.”


ثانيًا: “كيمياء الخطاطات” (Schema Chemistry)


في كتابهما “أعد ابتكار حياتك”، يطرح جيفري يونغ وجانيت كلوسكو رؤية مهمة من خلال مدرسة العلاج بالخطاطات. فالخطاطة هي نمط معرفي وانفعالي راسخ يتكون نتيجة جروح الطفولة، مثل خطاطة الهجر أو الحرمان العاطفي.


ويرى الكاتبان أن ما نسميه عادة “الكيمياء العالية” أو “شرارة الحب الجارفة” قد تكون - في بعض الحالات - إشارة إلى أن هذا الشخص أعاد تنشيط خطاطاتنا النفسية القديمة. فالشخص الذي يعاني من خطاطة الحرمان العاطفي قد يتجاهل الأشخاص المستقرين، وينجذب بقوة إلى شخص بارد أو غير متاح عاطفيًا، لأن هذا النمط يبدو له مألوفًا ويؤكد معتقداته القديمة عن نفسه.


المعادلة المشتركة:


هنا يلتقي هندريكس ويونغ عند فكرة واحدة؛ وهي أن الإنسان قد ينجذب، لا شعوريًا، إلى ما هو مألوف بالنسبة له، حتى وإن لم يكن صحيًا أو آمنًا. فالعيش مع شخص بارد أو مهدد بالرحيل وضع مؤلم، لكنه بالنسبة للعقل وضع مألوف ويمكن التنبؤ به، بينما قد يبدو الارتباط بشخص سوي ومتاح عاطفيًا تجربة جديدة تتطلب الخروج من منطقة الراحة النفسية.


كيف نكسر الحلقة المفرغة؟ (خطة الشفاء العملية)


إن الوعي بوجود هذا النمط هو الخطوة الأولى، لكنه غير كافٍ وحده دون خطة عملية واضحة لتفكيكه. وتذكري دائمًا: إذا كان شريكك هو من يعاني من هذا النمط، فهذه مهمة المعالج النفسي، وليست وظيفتكِ أنتِ. أما إذا كنتِ أنتِ من تعانين منه، فإليكِ خطوات التعافي:


• البحث عن الجذور وفك الشيفرة: قبل البدء في أي تغيير، لا بد من العودة إلى الوراء وفهم التجربة الأولى التي زرعت هذا النمط. يُنصح بكتابة تفاصيل العلاقات السابقة وتحديد أوجه التشابه في سلوكيات الشركاء ومشاعرنا تجاههم. هذا التمرين البسيط يُبرز “الخيط المشترك” الخفي؛ ليتسنى لنا التعامل معه.


• إعادة تعريف الأمان العاطفي: يبحث العقل تلقائيًا عن المألوف، والحل يكمن في تدريب النفس والجهاز العصبي - وغالبًا داخل جلسات العلاج النفسي - على تقبل أمان من نوع جديد قائم على الوضوح، والتواصل المفتوح، والحدود الصحية، بدلًا من الارتباط بالقلق والاضطراب.


• العمل على تعزيز تقدير الذات: الشخص الذي يقدر ذاته ويحترمها يختار شريكًا يعكس قيمته الحقيقية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ممارسة أنشطة تعزز الكفاءة الذاتية، وتطوير المهارات، واستبدال الأفكار السلبية، مثل: “أنا لا أستحق”، بعبارات داعمة، مثل: “أنا أستحق علاقة صحية ومتوازنة.”


• استخدام “قاعدة الفرامل المبكرة”: ضعي لنفسك مؤشرات توقف واضحة (Red Flags). فإذا لاحظتِ في بداية العلاقة سلوكًا مألوفًا من الماضي كان سببًا في آلامك السابقة، فتوقفي فورًا ولا تمضي قدمًا. وشاركي هذه المؤشرات مع شخص موثوق أو معالج نفسي ليساعدك على رؤية الصورة دون تجميل لاواعي.


• تغيير بيئة الاختيار (كسر الروتين العاطفي): التحليل وحده لا يكفي، بل يجب تغيير البيئة والسياق الذي تلتقين فيه بالأشخاص. جربي أماكن جديدة، ومارسي أنشطة مختلفة، وافتحي الباب للتعرف على شخصيات تختلف تمامًا عن نمطك “المفضل” القديم.


خاتمة


في نهاية المطاف، إن التوقف عن اختيار الأشخاص أنفسهم بأشكال مختلفة لا يعني أبدًا البحث عن “الشخص المثالي”، بل يعني أن نتحول نحن إلى أشخاص واعين بجروحنا. فالشفاء الحقيقي يبدأ عندما ندرك بكل جوارحنا أن الماضي قد مضى، وأننا لم نعد أطفالًا عاجزين بحاجة إلى إعادة خوض المعارك القديمة مع وجوه جديدة؛ لنثبت استحقاقنا للحب.


لقد حان الوقت لكي نمنح أنفسنا هذا الاستحقاق بوعي، ونختار - بكامل إرادتنا الحرة - الحب الذي نبنيه بالسكينة والاستقرار، لا الحب الذي نطارده لاهثين وسط العواصف والمتاهات المألوفة.


في المقال القادم:


الجوع النفسي… عندما نبحث عن الاحتياج في المكان الخطأ.


🌿 جذور النفس

رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات