الجوع النفسي العاطفي


(( الجوع النفسي العاطفي ))

عندما نبحث عن الاحتواء في المكان الخطأ



✍🏻 بقلم: أ. دينا حسني 

معالج شعوري | ممارس البرمجة اللغوية العصبية 

ومسؤل لجنة التدريب بمبادرة جذور


أخطر جوع ممكن تعيشه…

مش الجوع اللي يخليك تدور على الأكل.


أخطر جوع… هو الجوع اللي يخليك تدور على الحب في أي مكان.


مش لأنه هيكسر قلبك مرة، لكن لأنه هيخليك تصدق كذبة هتعيش معاها سنين… إن أي احتواء من أي شخص… هيعالج الفراغ اللي جواك.


الغريب إننا اتعلمنا نهتم باحتياجات جسمنا… لكن قليل جدًا اللي اتعلم يسمع احتياجات قلبه.


ولما القلب يجوع… بيبدأ يدور على أي حد يشبعه. فتفتكر إنك محتاج شخص، مع إن الحقيقة… إنك محتاج شعور.


كم مرة تعلقت بحد لمجرد إنه سمعك؟

كم مرة تمسكت بعلاقة كانت بتوجعك… خوفًا من الوحدة؟

كم مرة سامحت إهانة أو تجاهلًا… لأنك كنت خايف تخسر الاهتمام؟

كم مرة قلت: “أنا بحبه”… وأنت في الحقيقة كنت بتحب الإحساس اللي بيديهولك؟


المشكلة إنك كنت بتجاوب على السؤال الغلط.


لأن السؤال عمره ما كان… مين يحبني؟

كان… أنا محتاج إيه؟


في علم النفس فيه فرق كبير بين الحب الحقيقي… والجوع النفسي العاطفي.


الحب الحقيقي بيخليك أكثر اتزانًا. أما الجوع العاطفي… فبيخليك أكثر تعلقًا.


الحب الحقيقي بيخليك تختار. أما الجوع العاطفي… فبيخليك تقبل أي حاجة.


وهنا تبدأ الحكاية.


أنت مش بتتعلق لأنك ضعيف… ولا لأن شخصيتك ضعيفة. أنت بتتعلق لأن قلبك بيحاول يملأ احتياجًا قديمًا بالطريقة الوحيدة اللي اتعلمها.


يمكن وأنت صغير… كنت بتحصل على الاهتمام لما تمرض. أو كان الحب مشروطًا بالطاعة. أو الحضن كان نادرًا. أو الكلمة الحلوة كانت قليلة.


محدش كان يقصد يأذيك… لكن قلبك فهم الرسالة بطريقة مختلفة.


فهم إن الحب لازم يتطلب مجهود. وإن الاهتمام حاجة نادرة. وإن الوحدة مؤلمة جدًا.


كبرت…


وبقيت كل ما تحس بالفراغ… تدور على شخص يملأه.


وده اللي بيسميه بعض المتخصصين في علم النفس الجوع النفسي العاطفي.


يعني إنك تبحث عن العلاقة… ليس لأنك مستعد للحب، لكن لأنك خائف من الوحدة أو تبحث عن إشباع احتياج نفسي لم يُلبَّ من قبل.


المشكلة إن وجود الشخص فعلًا بيريحك… لكن راحته مؤقتة.


لأن الاحتياج الحقيقي لسه موجود.


وأول ما الشخص يبعد… يرجع الفراغ تاني، وأحيانًا أكبر من الأول.


فتدخل في دائرة مرهقة.

تحس بالوحدة… فتتعلق.

تتعلق… فتتنازل.


تتنازل… فتتوجع.

تتوجع… فتخاف من الفقد أكثر.


فتتعلق أكثر.

وكل مرة تفتكر إن المشكلة فيك.

مع إن المشكلة عمرها ما كانت فيك.

كانت في إنك بتحاول تعالج جوعًا داخليًا… بوجود شخص خارجي.


تعالى نفكر فيها بطريقة مختلفة.


لو طفل بيعيط لأنه محتاج حضن… وأنت كل مرة تديله لعبة.


هيهدى شوية.


لكن هل احتياجه للحضن اختفى؟


طبعًا لا.


أنت سكتَّ الإحساس… لكن ما شبعتش الاحتياج.


وده بالضبط اللي بيحصل في الجوع النفسي العاطفي.


إحنا بنحاول نسكت الوحدة… بعلاقة.

ونسكت الخوف… بالتعلق.

ونسكت الفراغ… بأي وجود.


وعشان كده… كل ما العلاقة تنتهي… يرجع نفس الإحساس من جديد.


الجوع النفسي العاطفي… مش محتاج أي شخص يدخل حياتك.


محتاج وعي.


في المرة الجاية… قبل ما تتمسك بحد.


اسأل نفسك…


أنا محتاج الشخص ده فعلًا؟


ولا محتاج اهتمام؟


ولا احتواء؟


ولا طمأنينة؟


ولا مجرد حد يخليني أحس إني مش لوحدي؟


ممكن تكتشف… إن اللي محتاجه مش علاقة.


لكن مصالحة مع نفسك.

أو مساحة تعبر فيها عن وجعك.

أو شفاء من جرح قديم.


المشاعر لما تتفهم… بتفقد جزءًا كبيرًا من سيطرتها.


لكن لما نهرب منها… بتفضل تسوق اختياراتنا من غير ما نحس.


التعافي… مش إنك تمنع نفسك من الحب.

التعافي… إنك تبطل تستخدم العلاقات كمسكن لكل ألم.

إنك تتعلم تفرق… بين احتياج القلب للحب.

واحتياجه للأمان. واحتياجه للتقدير.


لأن كل واحد فيهم… له طريقة مختلفة في الإشباع.


في النهاية…


يمكن أنت مش محتاج حد يحبك أكثر.

يمكن أنت محتاج تتصالح مع نفسك أكثر.


ومش كل مرة تلاقي نفسك متمسك بحد… تبقى المشكلة في الشخص.


أوقات كتير…

المشكلة بتكون في الفراغ اللي جواك.


لأن أخطر أنواع الجوع…

مش الجوع اللي يخليك تدخل علاقة.


أخطر أنواع الجوع…


هو الجوع اللي يخليك تقضي عمرك كله تبحث عن الاحتواء في قلوب الآخرين…


بينما أول قلب كان محتاج يحتويك…


كان قلبك أنت.


في المقال القادم:


هل يمكن أن يرث الإنسان الخوف؟ بين الوراثة… والتربية… ونقل الصدمات.


🌿 جذور النفس

رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات