هل يمكن أن تكون ذكرياتنا غير دقيقة؟



هل يمكن أن تكون ذكرياتنا غير دقيقة؟


بقلم: د نرمين حمدي


في بداية مقالنا نتحدث عن الذاكرة والتركيز؛ فالذاكرة البشرية ليست أشبه بكاميرا فيديو تسجل الأحداث بدقة، بل هي عملية إعادة بناء تحدث في أدمغتنا. ففي كل مرة نستدعي فيها حدثًا ما، نقوم بإعادة تركيب تفاصيله من جديد. ويتأثر استرجاعنا للأحداث بعدة عوامل علمية، منها تأثير الإيحاء، وهو دمج معلومات مضللة أو إضافات من الآخرين مع الحدث الأصلي، كما قد يحدث في الأسئلة الموجهة أثناء التحقيقات. كما أن عملية إعادة البناء تجعل الدماغ يملأ الفجوات في الذكرى بمعلومات تبدو منطقية أو متوقعة. كذلك قد تؤثر الحالة العاطفية الحالية في الطريقة التي نتذكر بها الأحداث، فتغير من إدراكنا لبعض تفاصيلها.


أما الذاكرة الكاذبة أو الذاكرة الخاطئة، فهي ذكريات غير دقيقة أو مشوهة لحدث ما. وقد تكون هذه الذكريات في بعض الحالات ملفقة بالكامل، وفي حالات أخرى تحتوي على عناصر حقيقية اختلطت بمعلومات لاحقة أو بتشوهات في الذاكرة.


يمكن أن تتراوح أمثلة هذه الظاهرة من أمر بسيط، مثل تذكر الشخص خطأً أنه أغلق باب المنزل، إلى أمر أكثر خطورة، مثل التذكر الخاطئ لتفاصيل حادث كان شاهدًا عليه. وتختلف الذاكرة الكاذبة عن الأشكال الأخرى من مشكلات الذاكرة؛ فهي تجارب عقلية يعتقد الشخص أنها تمثل أحداثًا وقعت بالفعل، رغم أنها قد تكون غير دقيقة أو لم تحدث بالشكل الذي يتذكره. وتتراوح من تذكر خاطئ لتفاصيل بسيطة، مثل اعتقاد الشخص أنه وضع مفاتيحه على الطاولة عند عودته إلى المنزل، إلى تفاصيل أكثر أهمية، مثل اعتقاده أنه رأى شخصًا ما في مكان الجريمة. كما تختلف الذاكرة الكاذبة عن مشكلات النسيان العادية؛ إذ قد يصل الشخص إلى درجة عالية من اليقين بصحة هذه الذكرى، رغم عدم دقتها. فهي لا تتعلق فقط بنسيان التفاصيل أو اختلاطها، وإنما قد تتضمن تذكر أحداث أو تفاصيل لم تحدث كما يتذكرها الشخص.


ودعونا نتحدث عن أسباب الذاكرة الكاذبة.


الذاكرة ليست ثابتة، بل إنها مرنة وتتغير مع مرور الوقت. وهناك بعض العوامل التي قد تجعل الإنسان أكثر عرضة لتكوين ذكريات كاذبة، ومن هذه العوامل:


شهادة الشهود: إذا شاهد الإنسان جريمة أو حادثًا، فإن شهادته مهمة، لكنها ليست معصومة من الخطأ. فالخبراء في علم النفس الجنائي وجهات إنفاذ القانون يدركون أن الذكريات قد تتغير بفعل الإيحاء أو مع مرور الوقت. كما أن الدماغ قد يملأ الفجوات في الحدث بمعلومات تبدو منطقية، مما قد يؤدي إلى تكوين ذكرى غير دقيقة.


الصدمات النفسية: تشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية، أو الاكتئاب، أو الضغوط النفسية المزمنة، قد يكونون أكثر عرضة لتكوين ذكريات غير دقيقة أو مشوهة في بعض الظروف، إلا أن العلاقة ما زالت محل دراسة، ولا تنطبق على جميع الحالات.


اضطراب الوسواس القهري (OCD): قد يعاني بعض الأشخاص المصابين باضطراب الوسواس القهري من ضعف الثقة في ذاكرتهم، أكثر من وجود ضعف حقيقي فيها؛ مما يدفعهم إلى الشك المتكرر في صحة ما يتذكرونه، ويؤدي إلى السلوكيات القهرية، مثل المراجعة أو التحقق المتكرر.


التقدم في العمر: مع التقدم في العمر، قد يفقد الإنسان بعض التفاصيل المرتبطة بالذكريات، بينما تبقى الفكرة العامة للحدث أكثر ثباتًا. فعلى سبيل المثال، قد يتذكر الشخص أنه ذهب إلى الشاطئ في شهر العسل، لكنه لا يتذكر اسم الفندق، أو حالة الطقس، أو المدينة التي أقام فيها.


أما فيما يتعلق بعلاج الذاكرة الكاذبة، فقد استُخدمت في الماضي تقنيات مثل التنويم المغناطيسي أو التخيل الموجَّه بهدف استعادة بعض الذكريات، إلا أن هذه الأساليب تُعد من الممارسات المثيرة للجدل؛ لأنها قد تزيد أيضًا من احتمال تكوين ذكريات غير دقيقة. وحتى الآن، لا توجد وسيلة علمية يمكنها الجزم بصحة الذكريات المسترجعة أو خطئها في غياب أدلة مستقلة تؤكدها أو تنفيها. لذلك، يظل الاعتماد على الأدلة الخارجية هو المعيار الأكثر موثوقية عند التحقق من صحة الذكريات.


وفي نهاية مقالنا، نود أن نوضح أهمية تدريب الذاكرة والدماغ على تحسين الانتباه واسترجاع المعلومات، ومن الوسائل التي حظيت باهتمام بحثي الموسيقى واستخداماتها العلاجية.


فهل تساعد الموسيقى على تحسين الذاكرة؟


تسهم الموسيقى في استدعاء المشاعر والذكريات؛ إذ تعد الألحان والمقاطع المرتبطة بمواقف سابقة منبهات قوية لتنشيط الشبكات العصبية المرتبطة بالعاطفة، مثل اللوزة الدماغية، والذاكرة، مثل الحُصين.


كما يُستخدم العلاج بالموسيقى في بعض الحالات بوصفه أحد الأساليب العلاجية المساندة، وقد يساعد في خفض مستويات التوتر، وتحسين الحالة المزاجية، وتعزيز التفاعل الاجتماعي لدى بعض الفئات، وفقًا لطبيعة الحالة والخطة العلاجية.


وتشير بعض الدراسات في علم النفس إلى أن الموسيقى لا تساعد فقط في استدعاء الذكريات، بل قد تؤثر أيضًا في الطريقة التي نسترجع بها بعض الخبرات الانفعالية، وهو ما يجعلها أداة مساندة في بعض البرامج العلاجية، خاصة عند التعامل مع الذكريات المؤلمة، مع التأكيد على أنها ليست علاجًا مستقلًا، وإنما جزء من تدخل علاجي متكامل.


في المقال القادم:


كيف يصنع العقل قصته الخاصة عن العالم؟ ولماذا لا يرى الجميع الحقيقة بالطريقة نفسها؟


.


المراجع:


Kendra Cherry. False Memories. Retrieved on the 29th of January, 2020.


Kimberly Holland. False Memory: What You Need to Know. Retrieved on the 29th of January, 2020.


Kendra Cherry. The Consequences of False Memories. Retrieved on the 29th of January, 2020.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات