كيف تُولد المعتقدات التي تحكم حياتنا؟

كيف تُولد المعتقدات التي تحكم حياتنا؟





✍🏻 بقلم: د. إيمان الوليلي

مستشار علاقات خارجية

مسؤول لجنة العلاقات والشراكات بمبادرة جذور


هل تساءلت يومًا لماذا تؤمن ببعض الأفكار وكأنها حقائق لا تقبل النقاش؟

وهل ما تؤمن به اليوم هو الحقيقة… أم مجرد فكرة كبرت معك حتى بدت حقيقة؟


عندما تصبح الفكرة حقيقة في أذهاننا


كثير من الناس يعتقدون أن المعتقدات هي حقائق مطلقة، بينما يؤكد علم النفس الحديث أن معظم المعتقدات ليست حقائق، بل هي تفسيرات عقلية كوّنها الإنسان نتيجة خبراته وتجارب حياته.


والمثير للاهتمام أن هذه المعتقدات تصبح مع مرور الوقت عدسة يرى الإنسان من خلالها نفسه، والآخرين، والعالم.


فالمعتقد لا يولد معنا، بل يُبنى تدريجيًا، ثم يتحول إلى برنامج ذهني يقود أفكارنا، ومشاعرنا، وسلوكنا، وقراراتنا، حتى وإن كان غير صحيح.


ما هو المعتقد؟


المعتقد هو فكرة يقتنع بها العقل إلى درجة أنها تصبح حقيقة داخلية، بغض النظر عن كونها صحيحة أو خاطئة.


فعندما يعتقد شخص أنه غير قادر على النجاح، فإن هذا الاعتقاد سيؤثر في مستوى ثقته بنفسه، وطريقة تعامله مع الفرص، وقد يدفعه إلى تجنب التحديات، مما يزيد من احتمال الفشل، فيبدو وكأن معتقده كان صحيحًا، بينما هو في الواقع ساهم في صنع النتيجة.


ولهذا يصف علماء النفس هذه الظاهرة بأنها “النبوءة التي تحقق ذاتها”؛ حيث تؤدي التوقعات إلى سلوكيات تجعل التوقعات تتحقق بالفعل.


كيف تتكون المعتقدات؟


تشير الدراسات في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب إلى أن المعتقدات تتكون من خلال عدة مصادر رئيسية:


أولًا: الأسرة


تعد الأسرة أول بيئة يكتسب منها الإنسان تصوراته عن نفسه والحياة.


فالطفل لا يملك القدرة على تحليل ما يسمعه، لذلك يستقبل الرسائل المتكررة على أنها حقائق.


مثلًا:


• أنت ذكي.

• أنت فاشل.

• المال صعب الحصول عليه.

• الناس لا يوثق بهم.


كلما تكررت الرسالة، زادت قوة ترسيخها داخل العقل.


ثانيًا: الخبرات الشخصية


العقل يميل إلى تعميم التجارب.


إذا تعرض شخص للخيانة في علاقة واحدة، فقد يكوّن معتقدًا أن جميع الناس خائنون.


وإذا فشل مرة في مشروع، فقد يقتنع بأنه لا يصلح للنجاح.


بينما الحقيقة أن التجربة كانت حدثًا، وليست قانونًا عامًا.


ثالثًا: المجتمع والثقافة


لكل مجتمع مجموعة من الأفكار التي تنتقل بين أفراده عبر التربية، والتعليم، والإعلام، والعادات، والتقاليد.


ومع كثرة التكرار، تتحول هذه الأفكار إلى معتقدات جماعية يصعب أحيانًا مناقشتها.


رابعًا: التجارب الانفعالية القوية


كلما ارتبط الحدث بمشاعر قوية، مثل الخوف أو الفرح أو الصدمة، أصبح ترسيخه في الذاكرة أقوى.


ويرجع ذلك إلى دور اللوزة الدماغية (Amygdala) في معالجة الانفعالات؛ حيث تزيد المشاعر القوية من تثبيت الذكريات، مما يجعل المعتقدات الناتجة عنها أكثر رسوخًا.


ماذا يحدث داخل الدماغ؟


يوضح علم الأعصاب أن الدماغ يبني باستمرار شبكات عصبية تربط بين الأفكار والخبرات.


وعندما تتكرر فكرة معينة مرات كثيرة، تصبح المسارات العصبية المرتبطة بها أقوى وأكثر سهولة في الاستخدام.


ولهذا تصبح بعض الأفكار تلقائية دون وعي.


ويعرف الدماغ أيضًا بامتلاكه قدرة مذهلة تسمى المرونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرته على تكوين مسارات عصبية جديدة وتعديل القديمة، وهو ما يفسر إمكانية تغيير المعتقدات مع التدريب والتكرار.


لماذا يصعب تغيير المعتقدات؟


لأن الدماغ يبحث دائمًا عن الأدلة التي تؤكد ما يؤمن به، وهي ظاهرة معروفة باسم التحيز التأكيدي (Confirmation Bias).


فعندما يعتقد الإنسان أنه غير محبوب، فإنه يركز على المواقف التي تؤكد هذا الاعتقاد، ويتجاهل عشرات المواقف التي تنفيه.


وبذلك يستمر المعتقد في التغذي على نفسه.


كيف تتحكم المعتقدات في حياتنا؟


يمكن تلخيص التأثير في سلسلة بسيطة:


المعتقد → الفكرة → الشعور → السلوك → النتيجة.


فعندما يكون المعتقد: “أنا أستطيع.”


تنشأ أفكار إيجابية، ثم مشاعر ثقة، ثم سلوك جريء، ثم نتائج أفضل.


أما إذا كان المعتقد: “أنا لا أستطيع.”


فإن السلسلة تسير في الاتجاه المعاكس.


هل يمكن تغيير المعتقدات؟


الإجابة العلمية هي: نعم.


أثبتت الأبحاث أن الدماغ يظل قادرًا على التعلم وإعادة التنظيم طوال الحياة، ويمكن تعديل المعتقدات من خلال:


• الوعي بالمعتقدات الحالية ومصدرها.

• اختبار صحتها بالأدلة الواقعية.

• استبدالها بأفكار أكثر واقعية ومرونة.

• تكرار السلوك الجديد حتى تتكون مسارات عصبية جديدة.

• التعرض لتجارب ناجحة تدريجيًا تعزز المعتقد الجديد.


وتستخدم هذه المبادئ في العديد من الأساليب العلاجية، مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يهدف إلى تعديل أنماط التفكير غير الدقيقة وتحسين المشاعر والسلوك.


الخاتمة


إن الإنسان لا يعيش وفق الواقع وحده، بل يعيش وفق تفسيره لهذا الواقع.


وما نعتقده عن أنفسنا وعن الحياة يوجه اختياراتنا ويؤثر في مستقبلنا أكثر مما نتخيل.


ولهذا، فإن مراجعة المعتقدات ليست رفاهية فكرية، بل خطوة أساسية في النمو الشخصي والمهني.


فعندما يدرك الإنسان أن كثيرًا من معتقداته ليست حقائق، وإنما أفكار اكتسبها مع الزمن، يصبح قادرًا على إعادة صياغة نظرته إلى نفسه وإمكاناته، وفتح أبواب جديدة للنجاح والتغيير.


إن تغيير الحياة يبدأ غالبًا من تغيير الفكرة التي نحملها.


وأنت… 


هل يوجد معتقد كنت تؤمن به لسنوات، ثم اكتشفت لاحقًا أنه لم يكن حقيقة، بل مجرد فكرة اكتسبتها مع الزمن؟


في المقال القادم:


ذاكرة الجسد… هل يحتفظ الجسد بما ينساه العقل؟


🌿 جذور النفس

رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات