من أين تأتي شخصيتك فعلًا؟
هل نصبح كما وُلدنا… أم كما عشنا؟
✍🏻 بقلم: أ. رولا سمير
أخصائي إرشاد أسري معالج صدمات نفسية (TRC)
عضو اللجنة التنفيذية بمبادرة جذور
عندما نصف شخصًا بأنه هادئ، أو عصبي، أو اجتماعي، فإننا غالبًا نتعامل مع شخصيته وكأنها وُلدت معه. لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ وهل نصبح كما جئنا إلى الحياة، أم كما صنعتنا الأيام؟
شخصية الإنسان لا تأتي من مصدر واحد؛ فهي تبدأ بما نحمله معنا من جينات وخصائص وراثية، ثم تتشكل مع الوقت من خلال البيئة، والتربية، والمواقف التي نمر بها. ويمكن تشبيه الأمر ببناءٍ متكامل؛ فالجينات هي حجر الأساس، بينما تكمل التربية وتجارب الحياة بناء هذا الصرح.
ولو تأملنا أصل شخصياتنا، سنكتشف أنه من الصعب أن تكون نتاج عامل واحد فقط. فالحكاية كلها خليط بين جينات ورثناها من أهلنا، وبين البيئة والظروف التي عشنا فيها.
فالوراثة تمنحنا نقطة البداية، وكأنها الأرض التي سنبني عليها، أما المواقف والتربية فهما اللتان تحددان شكل البناء في النهاية. نحن نولد بصفات واستعدادات طبيعية، لكن احتكاكنا بالحياة هو الذي يوقظ هذه الصفات، ويقوي بعضها، ويغير اتجاه بعضها الآخر.
تخيل مثلًا كيف يمكن للدلال الزائد أو القسوة في سنوات الطفولة أن يؤثرا في طباع الإنسان، فيبرز جانبًا منها أو يخفيا جانبًا آخر. ولا يقتصر التأثير على الأسرة فقط؛ فالشارع، وأصدقاء المدرسة، والمعلمون، وكل الأشخاص الذين نلتقي بهم في حياتنا، يتركون داخلنا أثرًا، كما نترك نحن أثرًا فيهم.
ولا تتوقف رحلة التشكّل عند هذا الحد؛ فالغربة، والصدمات، والأزمات المادية، والمشكلات، وحتى لحظات النجاح، كلها تجارب تعيد تشكيل أجزاء من شخصياتنا.
فالضغط النفسي والمواقف الصعبة قد يكشفان معادننا الحقيقية، ويدفعاننا لاكتشاف جوانب لم نكن نعرفها عن أنفسنا، بينما يمنحنا النجاح ثقة أكبر، ويغير نظرتنا إلى الحياة وإلى ذواتنا.
ورغم كل ذلك، تظل الجينات ترسم لنا نقطة البداية فقط، ولا تكتب النهاية. فوعينا، وطريقة فهمنا لما نمر به، والقرارات التي نتخذها، هي التي تحدد المسار الذي نسلكه.
لذلك، فالإنسان ليس مجرد ضحية لوراثته أو لظروفه، بل يمتلك دائمًا مساحة للاختيار، ومسؤولية عن الطريقة التي يبني بها شخصيته.
في النهاية، تمنحنا الوراثة الانطلاقة الأولى، لكن تجاربنا، ومواقفنا، واختياراتنا الحرة هي التي تشكل شخصياتنا، وتجعل من كل واحد منا إنسانًا له حكايته الخاصة.
وربما يكون هذا هو السؤال الأول في رحلة فهم النفس؛ لأن معرفة كيف تشكلت شخصيتنا هي الخطوة الأولى لفهم أفكارنا، ومشاعرنا، وقراراتنا.
في المقال القادم نقترب من سؤال جديد:
كيف تُولد المعتقدات التي تحكم حياتنا؟
🌿 جذور النفس
رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.
