هل يحتفظ الجسد بما ينساه العقل

هل يحتفظ الجسد بما ينساه العقل؟



✍🏻 بقلم: د. ليندا عبد القادر القاسمي

مدربة دولية ومستشارة تدريب

عضو اللجنة العلمية بمبادرة جذور


ـ هل سألت نفسك يومًا أين تذهب الذكريات التي نسقطها من وعينا؟

وهل تساءلت: ما حقيقة الذاكرة الضعيفة والنسيان؟ وهل هذا صحيح؟


لطالما تعاملت البشرية مع النسيان بوصفه ظاهرة عقلية بحتة، تُمحى فيها الأحداث من رفوف الذاكرة الواعية لتختفي إلى الأبد. لكن الطب النفسي الحديث وعلم الأعصاب يطرحان اليوم رؤية أكثر عمقًا؛ فالعقل قد يعجز عن استدعاء بعض الذكريات الصادمة أو يعزلها عن الوعي كآلية دفاعية، لكنها قد تستمر في التأثير من خلال الذاكرة الضمنية وأنماط الاستجابة العصبية والجسدية.


اليوم سأضع بين أيديكم هذا البحث المختصر، وهو حصيلة ثلاث سنوات من البحث والقراءة في هذا المجال، وتجارب عشتها وشهدتها في جلساتي. وما استخلصته أن أجسادنا ليست مجرد كيان بيولوجي، بل كيان شعوري متحرك، وإذا لم نسمح له بالتعبير والتحرر فقد يتحول إلى سجن يحتفظ بما نكبته، وما ندينه، وما يؤلمنا.


◀️ الآلية البيولوجية والعصبية للذاكرة الجسدية:

الفرق بين الذاكرة السردية (العقل) والذاكرة الضمنية (الجسد).


العقل الواعي يستخدم الذاكرة السردية لتذكر الأحداث في صورة قصة، لكن عند التعرض للصدمة أو الانفعال الشديد تنشط اللوزة الدماغية، وقد ينخفض نشاط القشرة الجبهية الأمامية، مما يضعف القدرة على تنظيم الحدث ووضعه في سياقه الزمني. كما قد ينخفض نشاط منطقة بروكا (Broca’s area) المسؤولة عن إنتاج اللغة والتعبير اللفظي، فيجد الشخص صعوبة في وصف ما مر به بالكلمات، فتُخزن التجربة بدرجة أكبر في صورة انطباعات حسية وحركية وانفعالية ضمنية، وقد تنعكس آثارها في استجابات الجسد وسلوكياته.


◀️ الفطرة البيولوجية: “الجسد مهيأ للتفريغ لا للتخزين”.


عندما نمر بصدمة، تبدأ أجسادنا بالفطرة بالارتجاف أو الاهتزاز الخفيف، أو البكاء، أو الحركة العشوائية، أو الصراخ؛ وهي استجابات طبيعية تساعد الجهاز العصبي على استعادة توازنه. وهنا قد يتدخل العقل الواعي أو البرمجة الاجتماعية ليمنع هذه الاستجابات، بأوامر مثل: “لا تبك”، “لا ترتجف”، “عيب… أمسك دموعك”. وعندما يُمنع الجسد من التعبير والتفريغ بصورة متكررة، قد تستمر آثار التوتر داخله، وتظهر لاحقًا في صورة شد عضلي أو أنماط استجابة مزمنة.


◀️ المرحلة الشرجية (نظرية التطور النفسي الجنسي لفرويد):


في هذه المرحلة، والتي تمتد تقريبًا من سنة ونصف إلى ثلاث سنوات، أعتبر أنها أول مرحلة يتعلم فيها الجسد معنى الإمساك والاحتفاظ. فعندما يبدأ الطفل تعلم التحكم في الإخراج، وإذا تم هذا التعلم بعنف أو إهانة أو صرامة، وربما امتد إلى العقاب، ينتقل تركيز الطفل من ممارسة وظيفة بيولوجية طبيعية إلى محاولة التحكم فيها تحت ضغط خارجي.


وهنا يواجه أول صدام حقيقي بين رغباته الداخلية وقيود المجتمع، وقد يلجأ إلى ما وصفه فرويد بآلية الاحتفاظ (Retentiveness) كأحد أنماط التكيف أو المقاومة السلبية. فيقوم بشد عضلات الحوض والشرج بصورة متكررة، وهو ما قد يسهم في تكوين أنماط عضلية معتادة. ويرى بعض المنظرين أن هذه الأنماط قد تنعكس لاحقًا على بعض السمات الشخصية، مثل الميل إلى التمسك بالأفكار أو الحاجة العالية إلى السيطرة، مع التأكيد أن هذا الطرح يظل جزءًا من النظرية التحليلية الكلاسيكية، وليس حقيقة علمية محسومة.


ـ الدرع العضلي:

هذا المفهوم أسسه عالم النفس فيلهلم رايش.


عندما يشعر الإنسان برغبة في البكاء أو الصراخ، ويكون في بيئة تمنع ذلك وتعتبره ضعفًا، فإنه لا إراديًا يشد عضلات الفك لمنع البكاء أو الصراخ، ويحبس أنفاسه لتقليل شدة الشعور، ويشد عضلات الرقبة والكتفين. ومع تكرار هذا المنع، قد تتحول هذه التشنجات المؤقتة إلى أنماط عضلية مزمنة، وهو ما وصفه رايش بمفهوم “الدرع العضلي”، حيث يصبح التوتر العضلي جزءًا من طبيعة الجسد ويؤثر في مرونته.


◀️ التكيف الهرموني والكيميائي:


الدماغ والجسد محكومان بمبدأ الاتزان الداخلي (Homeostasis). فعندما ترتفع هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، لفترات طويلة بسبب الضغوط النفسية المزمنة، يحاول الجسم التكيف مع هذا الوضع عبر تغيرات في حساسية بعض المستقبلات والأنظمة العصبية والهرمونية، وهي آليات تكيفية معروفة في علم وظائف الأعضاء.


أما الانفصال (Dissociation) فهو ظاهرة نفسية عصبية تختلف عن هذا التكيف الكيميائي، وتتمثل في انفصال جزئي أو مؤقت بين الوعي أو الذاكرة أو الإحساس بالذات، وغالبًا ما يرتبط بالتعرض لصدمات نفسية شديدة.


◀️ ما وراء الجينات: هل يحتفظ جسدي فقط بمشاعري غير المفرغة وصدماتي، أم يمكن أن أرث آثار صدمات سبقت ولادتي؟


في علم الإبيجينتيكس (Epigenetics)، تشير بعض الدراسات إلى أن التعرض لضغوط أو صدمات شديدة قد يترك تغيرات فوق جينية (Epigenetic Changes) تؤثر في طريقة عمل بعض الجينات، وقد تنتقل بعض هذه التأثيرات عبر الأجيال في ظروف معينة، إلا أن هذا المجال لا يزال محل بحث علمي مستمر.


أما كارل يونغ، فقد طرح مفهوم اللاوعي الجمعي، وهو يختلف عن الإبيجينتيكس، إذ لم يثبت أن يونغ أثبت انتقال الصدمات عبر الجينات، وإنما تحدث عن وجود أنماط نفسية ورموز مشتركة بين البشر.


وقد يفسر هذا، إلى جانب العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية، لماذا تظهر لدى بعض الشعوب أنماط سلوكية متشابهة بعد فترات طويلة من الحروب أو الكوارث، دون أن يكون ذلك راجعًا إلى عامل وراثي وحده.


فمن خلال دراستي لسلوك بعض الشعوب، توصلت إلى أن السلوك الجمعي قد يكون نتاجًا لتفاعل الصدمات التاريخية مع الثقافة والتربية والبيئة عبر الأجيال، حتى تصبح بعض السمات مرتبطة بصورة نمطية بشعب معين، مثل: “شعب معروف بالعصبية”، أو “شعب معروف بالسلم”، أو “شعب معروف بالصرامة”.


وأنت…


هل سبق أن شعرت بأن جسدك يعبّر عن ضغط أو ألم لم تستطع التعبير عنه بالكلمات؟


في المقال القادم:


من الذي يعيش داخلك عندما تتخذ قرارًا؟ الطفل… أم المراهق… أم الراشد؟


🌿 جذور النفس

رحلة إلى ما قبل الأعراض… وما قبل القرارات.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات