من المستفيد من بقائك كما أنت؟
بقلم : د. محمود عبد البارى
استشارى نفسي ومدرب معتمد
في كل مرة تقرر فيها أن تبتلع الإهانة، أو تتغاضى عن التهميش، أو تستمر في علاقة تستنزف خلايا روحك تحت مسمى "الأصول والصبر"، هناك سؤال إستراتيجي مرعب يجب أن تطرحه على نفسك فوراً: من المستفيد الحقيقي من بقائك في هذه الحالة من الانطفاء؟
الحقيقة العارية التي نهرب منها هي أن بقاءك مستنزفاً، مكسور الجناح، وخائفاً، يمثل مصلحة كبرى لأطراف أخرى حولك. الطرف الأناني والمستغل في العلاقة يستفيد من تنازلاتك اليومية ليعيش هو في رفاهية نفسية مطلقة على حساب حرق أعصابك. والمحيطون بك يفضلون رؤيتك ضحية هادئة ومطيعة، على أن يروك قوياً تأخذ قراراً يهز استقرارهم المزيف أو يجبرهم على مواجهة أنفسهم. الكل يربح من صمتك، والكل يقتات على تضحياتك، باستثناء شخص واحد يموت إكلينيكياً كل يوم.. وهو "أنت".
لقد تم تزييف وعينا لقرون لنتخيل أن تحمل الأذى والعيش في "مقابر عاطفية" هو دليل على نبل الأصل، بينما الحقيقة أن الاستمرار في مكان يهدر كرامتك وسلامك الداخلي هو عملية انتحار نفسي مكتملة الأركان وبكامِل إرادتك. الخوف من كلام المجتمع أو رعب البدايات الجديدة هو القيد الصدئ الذي يصنعه المستفيدون من ضعفك لتبقَ دائماً داخل حظيرة السيطرة، تُعطي بلا مقابل وتنزف بلا ثمن.
قول كلمة "لا" والانسحاب النظيف من أي مساحة مستهلكة ليس أنانية، بل هو ذروة الوعي والنضج الإنساني. إنه الإعلان الرسمي عن توقفك عن دور "الحصان الميت" في سباقات الآخرين. صحتك النفسية هي رأس مالك الوحيد، وليست حقاً مكتسباً لمن يستبيح أمانك. ارفع يدك فوراً عن كل علاقة أو وظيفة أو مساحة تجعلك تستجدي التقدير. الباب الذي يغلق في وجه سلامك واستقرارك، لا تقف أمامه باكياً ومستعطفاً.. بل ابْنِ مكانه جداراً من الخرسانة، والتفت إلى طريقك، وعش حراً، معافى، ومرفوع الرأس.
