الروح التي تعرف طريق جذورها لن تضل أبدًا في متاهات الوجود
بقلم .. د.منار السواح مدرس علم نفس قسم تربية الطفل ،،كلية البنات للٱداب والعلوم والتربية جامعة عين شمس مدرب تنمية بشرية ولايف كوتش معتمد جامعة عين شمس..
في زحام الحياة، حيث تتقاطع الطرق وتتشابه الوجوه، وتعلو الأصوات حتى يصبح الصمت ملاذًا، عندها تقف الروح وحدها شاهدة على تفاصيل الرحلة ،، لكن ليست كل روحٍ تعرف وجهتها، ولا كل قلبٍ يمتلك يقين الطريق،، هناك أرواحٌ تمشي كثيرًا، لكنها لا تصل؛ تبحث، لكن دون جدوي جهد مبذول وطاقة مهدرة بلا فائدة ووقت ضائع ،، وهناك روح أخرى، هادئة كنبعٍ قديم، تعرف منذ البداية إلى أين تنتمي، فلا تضل، مهما تعقدت وتشابكت الدروب وكثرت منعطفات ومنحنيات الطريق ..
والجذور ليست مجرد ذكرى، ولا حنينًا عابرًا لزمنٍ ولي ومضى، بل هي الحقيقة الأولى التي سكنت الروح قبل أن تُشتّتَها الأيام،، هي تلك اللحظة الصافية التي عرف فيها الإنسان نفسه دون أقنعة، دون خوف، دون محاولة لإرضاء العالم وبلا مواربة لينال التقدير الزائف ممن حوله ،، من يعرف جذوره، يعرف صوته الحقيقي وسط ضجيج الآخرين، ويُميّز بين ما يُشبهه وما فُرض عليه ويتنافي مع معتقداته وقيمه وأخلاقياته ..
الروح التي تعرف طريق جذورها لا يصعب خداعها ،، تمرّ بالتجارب، لكنها لا تذوب فيها. تتألم، لكنها تتعلم ولا تنكسر،، تخطئ، لكنها لا تفقد بوصلتها. لأنها تحمل في داخلها عقيدة القلب المبصر ، تلك العقيدة التي حفرت تفاصيلها بالإحساس و تقودها دائمًا إلى ذاتها، حتى وإن ابتعدت قليلًا، فإنها تعود دوما لمحراب تلك الروح المبصرة ..
في متاهات الوجود، يضيع الكثيرون لأنهم حاولوا أن يكونوا نسخًا متشابهة من الآخرين. تاهوا وهم يظنون أن الطريق يُقاس بخطى ونجاحات غيرهم، وأن النجاح شكل واحد لا يتعدد ، وأن السعادة عنوان واحد لابد من اقتفاء أثره ،، لكن الروح المستبصرة بجذورها تدرك تمام الادراك أن لكل إنسان طريقه ومساره الخاص وخطي كتبت عليه ، وأن المقارنة ليست إلا بابًا للضياع وفقدان بوصلة ومعالم الطريق ،، فهي لا تسأل: "كيف أصبح مثلهم؟" بل تسأل: "كيف أكون أنا؟"
ولأنها تعرف نفسها حق المعرفة ، فهي لا تخاف من الوحدة. بل أحيانًا تجد في العزلة عودة ضرورية إلى الجذور ، إلى ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس بالحقيقة حين يصمت كل شيء. في العزلة، لا تضل الروح طريقها ، بل تستعيد وضوحها، وتُعيد ترتيب فوضاها، وتُرمم ما كسرته الحياة وبعثرته الأيام ،،
والجذور هي أيضًا القيم، المبادئ، المعنى الذي نحمله داخلنا. حين تهتز الأرض تحت أقدامنا، تبقى الجذور هي ما يثبتنا ويربطنا بالكيان الأكبر ،، قد تتغير الظروف، وقد تتبدل الوجوه، لكن الروح التي ترتكز على جذورها لا تسقط مطلقا ، بل تتمايل ثم تعود شامخة وأكثر صلابة ووعيًا.
ومن أعمق أسرار هذه الروح المبصرة أنها لا تبحث عن الطريق خارجها، بل تنصت إليه من الداخل في محرابها حياة المعني ،، فهي تعرف أن الإجابات ليست دائمًا في الكتب، ولا في نصائح الآخرين، بل في ذلك الإحساس الصادق الذي لا يخون. قد يخطئ العقل أحيانًا، لكن الروح إذا كانت متصلة بجذورها ومصدرها الالهي فإنها لا تكذب ولا تتجمل بل تكون متناغمة مع الكون في ايقاع خاص لا يخطئ ..
وبامعان النظر نقف علي حقيقة ان الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، بل شبكة من المتاهات والاحتمالات، و الاختيارات، و المنعطفات غير المتوقعة. لكن وسط كل هذا، تظل هناك حقيقة واحدة: أن من يعرف نفسه، لن يضيع طويلًا. قد يتأخر، قد يتعثر، لكنه لن يفقد بوصلته..
فالروح التي تعرف طريق جذورها، تحمل في داخلها مرشدا نورانيا خفيًا، لا يُرى، لكنه يُرشد،، نورًا يجعلها تعبر الظلام دون أن تفقد نفسها، ويقودها دائمًا، مهما ساد الظلام ، إلى حيث تنتمي… إلى عالم السلام ،، فلنكن لأنفسنا ولمن حولنا المنار الذي لا ينطفئ ..
