تأملات نفسية في. الصمت الذي يصرخ

 



مدرس علم النفس بقسم تربيه الطفل .كلية البناتللاداب والعلوم والتربية جامعة عين شمس

وعضو لجنة دعم المشروع القومي لمحو الاميه وتعليمالكبار بالكلية،، مدرب تنمية بشرية ،، لايف كوتشمعتمد .. جامعة عين شمس


تأملات نفسية في الصمت الذى يصرخ


  بين ضجيج الحياة وصخب الكلمات يٌولد الصمت لغة خاصة تختزل كل المعاني،، انه ليس فراغا بل كون موازي تسبح فيهالأنفس بلا دليل،، في حضرة الصمت تبنى العوالم ،،  وتتشكلالحقائق وتنصت الروح الى همساتها ،، الصمت هو البحرالهادئ الذي يخفي في أعماقه كنوز الحكمة ولكن حين يتحولالصمت الى عتاب وهروب من المواجهة لابد أن نقف ونحلل  لماذايعد  الصمت الذي يصرخ تناقضا مؤلما ومحيرا وشكلا من أشكالالعنف العاطفي لأنه يطرق أعمق مخاوفنا الانسانية،،  حيث يبنيالصمت حاجزا غير مرئيا صلبا يمثل حائط صد بين شخصينيصبح في ظله الغياب المتعمد سلاحا يحول دون التواصلواستمرارية العلاقة المتبادلة .. 

ومما تجدر الاشاره اليه والتوقف أمامه الفرق الكبير بين الصمتالمسموح به والهادف لتحقيق الاتي..

1. تهدئة التوتر وضبط الأعصاب وتقليل الانفعال بدلا من ردةالفعل السريعة.. 

2. الصمت المعزز للاستماع الفعال لفهم الطرف الاخر بصورهأكثر عمقا

3. الصمت الذي يبني هيبة واحترام في نفوس الاخرين حيثنعرف متى نتكلم ومتى نصمت وحينها يصبح الصمت أرقى منكل الكلمات ..

4 . الصمت وسيلة للتواصل غير المباشر وكثيرا ما يبعث رسائلعميقة أبلغ من المفردات ..

وهذا بدوره  هو الصمت المستحسن والذي يحول المواقف الصعبةلمساحات وعي امن وفرص نمو أكبر ..

   أما عن الصمت العقابي والقائم على التجاهل والرامي بدورهللهروب من المواجهة  والذي يعد من أكثر الأساليب المدمرةللتواصل البشري بين الأفراد على اختلاف العلاقات المتبادلة ( زوجية ،عائلية ، صداقات شراكات عمل )..

والصمت العقابي هو أسلوب تواصل سلبي يتضمن الامتناعالمتعمد عن الكلام والتفاعل مع شخص ما كطريقة من طرقالعقاب والتلاعب النفسي بهدف السيطرة والتسلط والايذاءالنفسي ،، وقد يكون الهدف من الصمت العقابي  الهروب منالمواجهة وتحمل الأخطاء،، وهو نمط سلوكي يتجنب فيه الشخصالنقاشات الصريحة التي تهدف لحل المشكلات، أما لكونه منالأنماط البشرية الاجتنابية أو التجنبية خوفا من المواجهة جراء الغضب او النتائج غير المرغوب فيها التي قد يسفر عنهاالنقاش،، وعاده ما يلجأ الهارب الى أسلوب الصمت العقابيكوسيلة لحماية نفسه من المواجهة،،  وعليه فالصمت العقابيهجومي بينما الهروب من المواجهة يعد شكلا من الأشكالالدفاعية  الناجمة عن الخوف أو انعدام القدرة، لكن في الممارسةيصعب الفصل بينهما وغالبا ما يشعر الطرف الاخر بان الهروبهو شكل من أشكال العقاب والايذاء النفسي..  

وانطلاقا مما تقدم فماذا  عن الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذاالصمت العقابي،، الصمت العقابي لا يأتي من فراغ بل أن لهجذور نفسية وسلوكية عميقة منها عدم الامتلاك لمهارات التواصلالصحية حيث لم يتعلم الشخص الطريقة  الصحيحة للتعبير عنالغضب وادارة مشاعره بطريقه بناءة، فضلا عن الشعور بالعجزوفقدان السيطرة عندما يشعر الشخص انه لا يملك وسيلة أخرىللتأثير يستخدم الصمت كأداه للسيطرة رغبة في الحصول علىالشعور بالقوة والمهابه ..

.. الخوف من الصراع والمواجهة نتيجه التربية الخاطئة التي لم تسمح  للأطفال مطلقا بالتعبير عن الرأي أو التجارب السابقةالمؤلمة.. 

.. نمط التعلق المتجنب ينشأ هذا النمط في الطفولة حيث يفضلالشخص البقاء منعزلا حيث يتجنب التواصل مع الاخرين لشعورهبالتهديد وانعدام الأمان في ظل تواجده مع الاخرين.. 

.. التلاعب العاطفي emotional manipulation كجزء منالاساءة النفسية حيث يستخدم الفرد الصمت العقابي لجعلالطرف الاخر يشعر بالذنب والقلق ويسعى لارضاء الشريك..

..العقاب غير المباشر بدلا من قول أنا غاضب منك يعاقبكبالتجاهل مما يجعلك تشعر بالاقصاء والتهميش ..

.. الاثار المدمرة على الطرف المتلقي والعلاقة  وتمثل الجانبالاكثر خطورة في استخدام الصمت العقابي حيث تشمل ألم فيالدماغ حيث أظهرت دراسات التصوير العصبي أن مناطقالدماغ التي تنشط عند الشعور بالالم الجسدي تنشط أيضا عندالتعرض للتجاهل والاستبعاد الاجتماعي.. 

.. الاحساس بالتبعية وعدم  الاهمية  حيث يشعر الشخص بانهغير مرئي،، غير مهم لا يستحق الكلمات

قلق واكتئاب،، حالة من عدم اليقين والترقب المستمر تسبب توتراعصبيا شديدا قد يتحول الى اضطراب القلق المعمم والتوترالدائم..

.. انخفاض تقدير الذات حيث يبدأ الفرد في التساؤل ماذافعلت،، ماذا جنيت،، هل أنا شخص سيء لهذا الحد ،،هل أنا لاأستحق التواصل،، هل أنا لا أستحق الاحترام حيث يبدا الفردالشك في ذاته ..

.. تدمير أساسيات العلاقة ،، حيث يدمر الصمت العقابي الثقةوالأمان العاطفي،،  وهما حجرا الزاوية لأي علاقه صحية حيثتصبح العلاقه ساحه حرب باردة بدلا من كونها ملاذا امناللعلاقات الانسانية.. 

.. خلق حلقة مفرغة، حيث يولد الصمت  غضبا واحباطا لدىالطرف المتلقي مما يدفعه لردود فعل غاضبة أو محبطة يائسة،،  مما يبرر للطرف الصامت استمراره في تفعيل وضع الصمتوهكذا ..

وهنا يجب أن نتوقف امام التساؤل الاتي.. لماذا يعتبر الصمتالعقابي شكلا من أشكال العنف النفسي  

لانه يستوفي كل شروط الايذاء النفسي ..

.. ليس  حادثا عارضا..

..يسبب ألما نفسيا بالغا للطرف الاخر .

.. يهدر الانسانيه حيث يتعامل مع الشخص ككائن غير موجود.. 

. . يهدف الى احكام السيطرة والتسلط حيث يجبر الطرف الاخرعلى الرضوخ أو الاعتذار حتى بدون معرفه الخطأ ..

كيف يتم التعامل مع من يمارس سلوك الصمت العقابي ،؟؟

هناك بعض الاستراتيجيات التي ينبغي على الطرف المتلقيالتعامل بها وتتمثل في الاتي.. 

1. فهم دينامية  الموقف تذكر أن الهدف هو ارباكك واضعافكوبالتالي لا يجب منحه هذه القوة.

2.  لا تلاحق،،  حيث لا ينبغي التوسل  والاعتذار المستمر والبحثعن الاهتمام لان مثل هذه الأساليب تزيد من سلوك المتجاهل بلانها تكافئ السلوك وتدعم استمرارية الصمت العقابي.. 

3.  ضع الحدود بوضوح وهدوء على سبيل المثال ألاحظ انك لاتتحدث معي،،  عندما تكون مستعدا للتحدث بطريقة محترمة لحلالمشكله أهلا ومرحبا لكن الصمت ليس حلا مقبولا بالنسبة لي ..

4.  ركز على حياتك استغل هذا الوقت في ممارسة هوايتك مقابلةأصدقائك ، والعناية بنفسك اظهر ان سعادتك لا تعتمد عليه.. 

5.  اقترح قواعد اتصال عندما يعود التواصل اقترح قاعدة مثلاذا كنا غاضبين يمكننا أخذ مهله 24 ساعة،، ولكن بعدها يجبأن نجلس سويا لنتحدث معا ونقوم بحل المشكلة ..

6.  فكر في الاستعانة بمتخصص اذا تكرر السلوك وأصبح نمطافقد يحتاج طرفي العلاقة لمستشار علاقات أو معالج نفسي لتعلمطرق واستراتيجيات تواصل صحية..

7.  حماية سلامتك النفسية اذا كان السلوك مزمنا ولا يتغير رغممحاولاتك فكر جديا فيما اذا كانت هذه العلاقه صحية لك،،  الاستمرار فيها قد يكون مدمرا لصحتك النفسية..

.. ماذا لو كنت أنت من تمارس هذا السلوك ،، الاعتراف بالمشكلةهو أول خطوات الحل ،، وعلى الفرد أن يسأل نفسه ماذا أحققمن خلال هذا الصمت العقابي هل أتجنب الالم أم أريد ايذاءالطرف الاخر،، ماذا أخاف ان أقول اذا واجهت الموقف،، هلهناك طريقه أخرى لأعبر عن احتياجاتي ومشاعري ..

خطوات للتغيير

1. اعترف بانه سلوك ضار لنفسك أولا ..

٢. التدريب على التعبير عن المشاعر أبدا بجملة أنا أشعر بدلا منانت تجعلني أشعر ..

٣. امنح نفسك فرصة اذا شعرت بالغضب الشديد قل أشعربالغضب الان وأحتاج ساعة لاهدأ وساعود بعدها لنناقش هذاالأمر ..

٤. اطلب المساعدة ، العلاج النفسي من شأنه المساعدة في فهمجذور هذا السلوك الذي في الغالب يعود الى الطفولة وعلى الفردان يتعلم استراتيجيات تواصل اكثر صحة لعلاقاته الاجتماعيةالمتبادلة بينه وبين الاخرين.. 

وختاما  ليس الصمت هروبا بل موقف شامخ وليس التجاهلضعفا بل حكمة تدرك أن قيمتك لا تقاس بمن يراها بل بمنيخسرها حين يتجاهلك ،، انهما معا رقصة الوجود الأصيل بين مانختار قوله وما نختار تركه للصمت،،  هكذا تتحول السكينة الىبيان  والغيبوبة  الى يقظة،،  والتجاهل الى أقوى  وأبلغ أنواع الردالذي لا يحتاج الى حروف وكلمات

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات