كتبت / منى منصور السيد
حين نخشى العراء هل نخاف التغيير أم نخشى اكتشاف أنفسنا؟
التغيير بين الحلم والخوف
دائما ما نتحدث عن التغيير كهدف منشود كأنه قمة جبل نكافح للوصول إليها، لكن في كواليس العلاقات السامة والأنماط النفسية المرهقة يظهر التغيير كوحش نخشى مواجهته.
الحقيقة التي نتهرب منها هي أننا لا نخاف من فعل التغيير في حد ذاته، بل نخاف من المكاشفة التي تتبعه.
مألوف مؤلم أفضل من مجهول حر
نحن نخاف أن ينقشع الضباب فنرى ملامحنا الحقيقية التي طمسناها لسنوات.
نرتاح في المألوف حتى لو كان مؤلما، لأننا حفظنا قواعد اللعبة فيه.
في العلاقة المستنزفة أنت تعرف متى ستجرح، وكيف ستداوي نفسك، وما هو الدور المطلوب منك لامتصاص الغضب.
هذا الألم المتوقع أهون على النفس من حرية غير متوقعة تجعلنا وجها لوجه مع الفراغ.
التغيير يكشف الداخل
التغيير يعني فض الاشتباك مع الآخر، وهذا يعني بالضرورة الالتفات للداخل.
هنا يبرز الخوف الأكبر: من أنا إذا توقفت عن كوني ضحية؟ أو ماذا سيبقى مني إذا نزعت عني رداء الصبر الجميل الذي كنت أتبرر به؟
أقنعة الألم والنجاة
التغيير سيكشف لنا أننا أحيانا استخدمنا أوجاعنا كدرع يحمينا من مواجهة إخفاقاتنا الشخصية في جوانب أخرى من الحياة.
عندما نبدأ في خطوات التغيير الحقيقي تسقط الأقنعة التي ارتديناها لننجو.
سيكشف لنا التغيير مسؤوليتنا عن الصمت، وسنواجه الحقيقة المرة بأننا سمحنا بتجاوز حدودنا مرارا لأننا كنا نخشى الوحدة.
أوهام القوة والاستحقاق
سيكشف هشاشة الاستحقاق: أننا لم نكن مضحين بقدر ما كنا نشعر بأننا لا نستحق الأفضل.
وسيُظهر خرافة القوة: أن صمودنا الأسطوري لم يكن قوة، بل كان ذعرا من اتخاذ قرار الرحيل.
العراء النفسي
هذا العراء النفسي هو ما يجعلنا نتراجع في اللحظات الأخيرة ونعود للنمط القديم.
نحن نفضل أن نبقى مكسورين معروفين على أن نكون أصحاء مجهولين بالنسبة لأنفسنا.
بداية التعافي
التعافي لا يبدأ بترك الطرف الآخر، بل يبدأ بقرار التصالح مع الانكشاف.
إنها اللحظة التي تقول فيها لنفسك:
• أنا مستعد لرؤية كل الندوب.
• مستعد للاعتراف بأنني كنت خائفا.
• مستعد لأن أكون ضعيفا دون خجل.
جوهر قرار التعافي يتلخص في التوقف عن التبرير.
التعافي يبدأ حين نتوقف عن قول: أنا بقيت لأنني كنت أريد إصلاحه، ونبدأ بقول: أنا بقيت لأنني كنت أخشى مواجهة واقعي.
الصراحة تكسر القيد
هذه الصراحة هي التي تكسر القيد.
وقبول الذات العارية يعني أن تقبل نفسك وأنت في أضعف حالاتك، دون ماكياج الضحية أو بريق الصمود.
أن تنظر للمرآة وتقول: هذا ما تبقى مني، وهو كاف ليبدأ من جديد.
شجاعة المجهول
التعافي هو المضي قدما وأنت لا تملك خارطة طريق واضحة، فقط تملك يقينا بأن أي ارتباك في طريق الحرية أجمل بكثير من الاستقرار الزائف في سجن التوقعات.
التغيير صديق لا عدو
في النهاية، التغيير الذي يغلفه الخوف من الانكشاف ليس عدوا، بل هو صديق صادق جدا.
هو يخبرك أن الوقت قد حان لتتوقف عن تمثيل دور ليس لك.
قرار التعافي هو أن تختار أن تكون حقيقيا بدلا من أن تكون كاملا.
أن تختار العراء الذي يأتي بالشفاء بدلا من الغطاء الذي يداري التعفن.
أولى عتبات النور
عندما نتصالح مع حقيقة أن التغيير سيكشفنا، نكتشف أغلى ما نملك: أنفسنا التي ضاعت منا في زحام محاولة إرضاء الآخرين أو تجنب أذاهم.
لقد حان الوقت لنخلع عباءة الخوف، ليس لأننا أصبحنا أقوياء فجأة، بل لأننا أدركنا أن البقاء في المألوف المؤلم هو الموت الحقيقي، وأن الانكشاف أمام الذات هو أولى عتبات النور.
