بقلم/ د.لينا أحمد دبة
حين يصبح البقاء ألمًا… لماذا نستمر في العلاقات السامة؟
البقاء ليس دائمًا بطولة
ليست كل العلاقات التي نستمر فيها دليل قوة، ولا كل استمرار بطولة تُحمد. أحيانًا يكون البقاء داخل علاقةٍ ما هو الشكل الأكثر قسوة من أشكال الإنهاك النفسي، لأننا لا نغادر فقط شخصًا، بل نغادر صورة عن أنفسنا، ووعودًا قديمة، وخوفًا متجذرًا من الخسارة.
العلاقات السامة هي تلك التي نستنزف فيها أكثر مما نُمنح، ونبرر فيها الأذى باسم الحب أو العِشرة أو التضحية، حتى نفقد الإحساس بأنفسنا.
كيف تبدأ العلاقة السامة؟
العلاقة السامة لا تبدأ غالبًا بسُمّها الكامل. في بدايتها قد تكون دافئة، مليئة بالاهتمام، أو حتى الحاجة المتبادلة. لكن مع الوقت، يتحول الدعم إلى سيطرة، والاهتمام إلى مراقبة، والحب إلى ابتزاز عاطفي.
نبدأ نشعر أننا مطالبون دائمًا بالتنازل، بالصمت، بالتفهم الزائد، بينما الطرف الآخر لا يبذل الجهد نفسه. ومع ذلك، نستمر.
الخوف… العائق الأكبر
أحد أخطر أسباب الاستمرار في العلاقات السامة هو الخوف:
• الخوف من الوحدة
• الخوف من الفشل
• الخوف من نظرة المجتمع
• الخوف من البدء من جديد
كثيرون يخافون فكرة “ما بعد العلاقة” أكثر من الألم داخلها. يصبح الألم مألوفًا، ومع المألوف نتصالح، حتى وإن كان يؤذينا. فنقول لأنفسنا: “على الأقل أنا أعرف هذا الوجع”، وكأن المجهول أخطر من الاستنزاف اليومي.
الارتباط غير الصحي
حين نربط قيمتنا بذات الشخص الذي يؤذينا، نشعر أننا بلا معنى بدونه. لا نكون متعلقين بالشخص بقدر ما نكون متعلقين بصورة أنفسنا كما نراها من خلاله.
نخشى أن نغادر لأننا نظن أن الرحيل يعني الاعتراف بأننا أخطأنا، أو أننا لم نكن كافين.
ذاكرة العاطفة
كذلك تلعب الذاكرة العاطفية دورًا كبيرًا. نتمسك بالنسخة القديمة من العلاقة: الأيام الجميلة، الوعود، اللحظات الأولى. نعيش على أمل أن يعود الشخص كما كان، متناسين أن العلاقات لا تُبنى على الذكريات بل على الواقع الحالي.
ننتظر التغيير، ونؤجل قرار الرحيل، حتى يصبح الانتظار عادة، والتأجيل أسلوب حياة.
المسؤولية المبالغ فيها
في بعض الأحيان، يكون السبب هو الإحساس بالمسؤولية المبالغ فيها. نشعر أننا مسؤولون عن شفاء الطرف الآخر، عن استقراره، عن سعادته.
لكن العلاقة الصحية تقوم على المشاركة لا الإنقاذ، وعلى الدعم المتبادل لا التضحية من طرف واحد. حين نتحول إلى معالجين داخل علاقة عاطفية، نفقد حقنا في الاحتياج.
آثار العلاقات السامة
الخطير في العلاقات السامة ليس فقط ما تفعله بنا أثناء وجودنا فيها، بل ما تتركه فينا بعدها:
• شك دائم في الذات
• خوف من الارتباط
• تشوه في مفهوم الحب
• إرهاق نفسي طويل الأمد
نستيقظ يومًا لنكتشف أننا كنا نعيش على الحد الأدنى من المشاعر، ونُسميه حبًا.
قرار الرحيل
الخروج من علاقة سامة ليس قرارًا سهلًا، لكنه قرار شجاع. يتطلب وعيًا بأن الحب لا يجب أن يؤلم باستمرار، وأن العلاقة ليست اختبار صبر، ولا ساحة لإثبات التحمل.
العلاقة الصحية تمنحك مساحة لتكون نفسك، لا نسخة صامتة تحاول النجاة.
بداية التعافي
التعافي يبدأ حين نعترف أن الاستمرار لم يكن حبًا خالصًا، بل مزيجًا من الخوف والتعلق والاعتياد. وحين نُدرك أن الرحيل ليس فشلًا، بل استرداد للذات.
ليس كل من نتركه خسارة، أحيانًا نكسب أنفسنا كاملة حين نغادر.
أسئلة البوصلة
• هل هذه العلاقة تُنمّيني أم تستنزفني؟
• هل أخرج منها أقوى أم أكثر تعبًا؟
إجابتك هي البوصلة. لأنك تستحق علاقة تُشبه السلام، لا معركة يومية باسم الحب.
