التغيير الحقيقي بلا ادعاء

 



 كتبت دمنار عبد الحميد رجاء السواح


 

التغيير الحقيقي بلا ادعاء


القوة الحقيقية للانسان تأتي من فهم المشاعر واستيعابها وادارتها من باب أنالمشاعر تعد لغة النفس الأولى،، وبالتالي فكل محاولة لقمعها أو الهرب منهاتضعف هذا الاتصال العميق بين الانسان وذاته ورغم أن مقاومة المشاعر تبدوأحيانا وسيلة للحفاظ على القوة أو تجنب الألم الا انها قوة مصطنعة مزيفةتخلف اثارا نفسية وجسدية  لا يستهان بها وهذا من باب أن ما تقاومه يستمرحب

what's you resist persist ،، فكلما أغلقنا الباب أمام شعور ما عاد أكثر قوهوأشد أثرا

..

والقوه الحقيقية للانسان تأتي حينما يستوعب رسائل الألم ويدرك ان المقاديرتدار بميزان  حكمة الرحمن الرحيم وان المعاناة ليست الا جزءا من التجربةالانسانية  ،، وكثيرا ما تكون المعاناة رسالة عناية الهية  لتهذيب النفس واعدادهالمرحلة لم تاتي بعد ،، أو حماية لها من طريق لو سلكته لكان فيه هلاكها،، فالقلوب لا تنضج في الرخاء،، والبصيرة لا تولد من الراحة ،، وانما يصقلهاالألم حتى ترى بصدق،، وهنا فلابد أن نفرق بين سكينة النفس الحقيقيةوالسكينة الظاهرة فالسكينة الظاهرة لا تعني بالضرورة  سلاما داخليا فالكثيريضحك وقلوبهم خراب،،  ونحن عادة ما نحكم بما نرى ظاهريا،، بينما الحكمة تعمل من خلف الستار ،، ان كنت طيبا فالمعاناة لا تهدر طيبتك،،  فأبوابالعطايا لا تمنح الا لمن احتمل ،، وهناك أبواب لا تفتح الا لمن صبر ،، وهناكمقامات لا يصلها الا من سار مثقلا بالجراح

وفي النهايه فليس كل تأخير ظلما ولا كل ألم شرا ولا كل هدوء نجاة ..

وغني عن البيان أن الانسان كلما أنضجته التجارب وغيرته الأحداث يزداد وعياولطفا فمن ينظر للعمق يبصر جمالا لا تراه العيون،، فالوعي لا ينضج القلبفحسب ،،بل ينضج العقل أولا ويمنحه حكمة التغيير تلك الحكمة الداخلية التيتجعله يختار السلام والهدوء على الانتصار والضجيج،، والرحمة على الغضب،، لان الادراك الحقيقي والوعي الذاتي لا ينبت شرا بل ينبت رحمة وانسانية .. 

وعادة ما يتغير الانسان بفعل عاملين أساسيين عامل الألم  فهو قد تألم أكثرمما يستحق ،، والعامل الثاني عامل ارتقاء الوعي المصاحب للنضج والتجربةالانسانية..

ويعد التغير الحقيقي تحولا فاعلا في العمق لأنه يبدأ انطلاقا بالوعي بالذاتليصل الى مرحلة الشفاء النفسي العميق،، ولذا يصبح معه التغيير مستداما ،، فالفرد في ظله على تواصل وفهم عميق لجذور مشكلاته النفسية لا مجردالاكتفاء بمعالجة الأعراض السلوكية الناجمة عنها سطحيا ومن ثم اعاده انتاجالألم مرات ومرات لأنه لم يتعلم،،  ولذا تعيد الحياة عليه ذات الدرس مراراوتكرارا لأنه عصي علي التعلم ..

..وجدير بالذكر أن التغير  الفاعل يعني أن الدماغ حينما يعيد تفسير التجاربيختار السلام والهدوء النفسي بدلا من اعاده انتاج الألم.. وللتغيير  الحقيقيمداخل رحيمة يتعامل فيها الفرد مع ذاته بعيدا عن جلد الذات والشعور بالخزيواعلاء صوت الناقد الداخلي ،،حيث يقوم الفرد  بتفعيل  عقلية الرحيم بذاتهوعندها يتنحى القلق والاكتئاب جانبا وكل ما من شأنه النيل من الاستقرارالنفسي للانسان ،، 

ومع التغير الحقيقي تتبدل أفكار الانسان قبل سلوكه ونظرته لنفسه ونظرتهللاخرين حيث يكف عن الصراع لاثبات أنه الأفضل فلم يعد بحاجة لبراهينتثبت انجازاته وانتصاراته لانه ممتلئ بذاته وتقديره لذاته داخليا و مستمدا منثقته بنفسه وليس من تقدير الاخرين له ،، عندها فقط يختار الانسان الوعي بدلامن رد الفعل والصدق مع الذات بدلا من ارتداء الاقنعة المزيفة والمسؤولية عنأفعاله بدلا من توجية اللوم ،، والقوة الحقيقية داخلية المصدر بدلا من ادعاءالقوة المزيفة..

عندما يتغير الانسان بصدق يكتفي بالسلام الداخلي ويعي أن سلوك  الاخرينالمسيء يمثلهم هم  ولا يمثله هو،، ويفصح عن بيئاتهم وتربيتهم فلا يهتز لانه قدتغير بالفعل،، تغير بفعل الألم الذي أنضجه وبفعل ارتقاء وعيه ووضع حدودهالصحية الواضحة وقدرته على الرحيل عن كل ما يؤذيه بلا ضجيج وبدونالالتفات لما لا يستحق أن يعرقل مسيرة انجازاته.. 

.. وبامعان النظر في حياتنا نجد أننا مع الوقت قد نصبح نسخا مختلفة عماكنا عليه من قبل،،  هذه النسخ الحديثة لكل منا قد دفعت فواتير الألم كامله بلاتأجيل وأدركت قيمة دروسها الحياتية الدافعة لحتمية التغيير ،، فالكرم حينيمنح لمن لا يستحق وبلا حدود يفتح طريقا  للهلاك..

وانطلاقا مما تقدم فالتغير الحقيقي هو صناعة ذاتية بفعل ارتقاء الوعيواستناره الوجدان ،، فلنمض في دروبنا على بصيرة نافذة وتغيير فعليواستشفاء داخلي مستندين الي وعي فاعل وفكر ثاقب وطاقات داخلية  تصلحما استطاعت بايمان راسخ بان الله وحده هو غايه العزم ومبتدؤه ومنتهاه


 دمنار عبد الحميد رجاء السواح

مدرس علم النفس قسم تربية الطفل.. كلية البنات للاداب والعلوم والتربية جامعةعين شمس ,, متحدث تحفيزي و مدرب تنمية بشرية وتطوير ذات معتمد البوردالكندي


إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات