التغيير الحقيقي بلا ادعاء

 






التغيير الحقيقي بلا ادعاء


✍️ كتبت: د. منار عبد الحميد رجاء السواح

مدرس علم النفس – قسم تربية الطفل – كلية البنات للآداب والعلوم والتربية – جامعة عين شمس

متحدث تحفيزي ومدرب تنمية بشرية وتطوير ذات معتمد البورد الكندي




القوة الحقيقية للإنسان


القوة الحقيقية للانسان تأتي من فهم المشاعر واستيعابها وادارتها من باب أن المشاعر تعد لغة النفس الأولى،، وبالتالي فكل محاولة لقمعها أو الهرب منها تضعف هذا الاتصال العميق بين الانسان وذاته ورغم أن مقاومة المشاعر تبدو أحيانا وسيلة للحفاظ على القوة أو تجنب الألم الا انها قوة مصطنعة مزيفة تخلف اثارا نفسية وجسدية لا يستهان بها وهذا من باب أن ما تقاومه يستمر حب  What’s you resist persist ،، فكلما أغلقنا الباب أمام شعور ما عاد أكثر قوة وأشد أثرا.



رسائل الألم والمعاناة


والقوه الحقيقية للانسان تأتي حينما يستوعب رسائل الألم ويدرك ان المقادير تدار بميزان حكمة الرحمن الرحيم وان المعاناة ليست الا جزءا من التجربة الانسانية ،، وكثيرا ما تكون المعاناة رسالة عناية الهية لتهذيب النفس واعدادها لمرحلة لم تاتي بعد ،، أو حماية لها من طريق لو سلكته لكان فيه هلاكها،، فالقلوب لا تنضج في الرخاء،، والبصيرة لا تولد من الراحة ،، وانما يصقلها الألم حتى ترى بصدق،، وهنا فلابد أن نفرق بين سكينة النفس الحقيقية والسكينة الظاهرة.




السكينة الحقيقية مقابل السكينة الظاهرة


فالسكينة الظاهرة لا تعني بالضرورة سلاما داخليا فالكثير يضحك وقلوبهم خراب،، ونحن عادة ما نحكم بما نرى ظاهريا،، بينما الحكمة تعمل من خلف الستار ،، ان كنت طيبا فالمعاناة لا تهدر طيبتك،، فأبواب العطايا لا تمنح الا لمن احتمل ،، وهناك أبواب لا تفتح الا لمن صبر ،، وهناك مقامات لا يصلها الا من سار مثقلا بالجراح.




الحكمة من الألم


وفي النهايه فليس كل تأخير ظلما ولا كل ألم شرا ولا كل هدوء نجاة ..

وغني عن البيان أن الانسان كلما أنضجته التجارب وغيرته الأحداث يزداد وعيا ولطفا فمن ينظر للعمق يبصر جمالا لا تراه العيون،، فالوعي لا ينضج القلب فحسب ،، بل ينضج العقل أولا ويمنحه حكمة التغيير تلك الحكمة الداخلية التي تجعله يختار السلام والهدوء على الانتصار والضجيج،، والرحمة على الغضب،، لان الادراك الحقيقي والوعي الذاتي لا ينبت شرا بل ينبت رحمة وانسانية ..




عوامل التغيير الحقيقي


وعادة ما يتغير الانسان بفعل عاملين أساسيين:


1. عامل الألم فهو قد تألم أكثر مما يستحق.

2. عامل ارتقاء الوعي المصاحب للنضج والتجربة الانسانية.



التغيير الفاعل


ويعد التغير الحقيقي تحولا فاعلا في العمق لأنه يبدأ انطلاقا بالوعي بالذات ليصل الى مرحلة الشفاء النفسي العميق،، ولذا يصبح معه التغيير مستداما ،، فالفرد في ظله على تواصل وفهم عميق لجذور مشكلاته النفسية لا مجرد الاكتفاء بمعالجة الأعراض السلوكية الناجمة عنها سطحيا ومن ثم اعاده انتاج الألم مرات ومرات لأنه لم يتعلم،، ولذا تعيد الحياة عليه ذات الدرس مرارا وتكرارا لأنه عصي علي التعلم ..


مداخل التغيير الرحيمة


وجدير بالذكر أن التغير الفاعل يعني أن الدماغ حينما يعيد تفسير التجارب يختار السلام والهدوء النفسي بدلا من اعاده انتاج الألم.. وللتغيير الحقيقي مداخل رحيمة يتعامل فيها الفرد مع ذاته بعيدا عن جلد الذات والشعور بالخزي و اعلاء صوت الناقد الداخلي ،، حيث يقوم الفرد بتفعيل عقلية الرحيم بذاته وعندها يتنحى القلق والاكتئاب جانبا وكل ما من شأنه النيل من الاستقرار النفسي للانسان ،،



ثمار التغيير الحقيقي


ومع التغير الحقيقي تتبدل أفكار الانسان قبل سلوكه ونظرته لنفسه ونظرته للاخرين حيث يكف عن الصراع لاثبات أنه الأفضل فلم يعد بحاجة لبراهين تثبت انجازاته وانتصاراته لانه ممتلئ بذاته وتقديره لذاته داخليا و مستمدا من ثقته بنفسه وليس من تقدير الاخرين له ،، عندها فقط يختار الانسان الوعي بدلا من رد الفعل والصدق مع الذات بدلا من ارتداء الاقنعة المزيفة والمسؤولية عن أفعاله بدلا من توجية اللوم ،، والقوة الحقيقية داخلية المصدر بدلا من ادعاء القوة المزيفة..


السلام الداخلي والحدود الصحية


عندما يتغير الانسان بصدق يكتفي بالسلام الداخلي ويعي أن سلوك الاخرين المسيء يمثلهم هم ولا يمثله هو،، ويفصح عن بيئاتهم وتربيتهم فلا يهتز لانه قد تغير بالفعل،، تغير بفعل الألم الذي أنضجه وبفعل ارتقاء وعيه ووضع حدوده الصحية الواضحة وقدرته على الرحيل عن كل ما يؤذيه بلا ضجيج وبدون الالتفات لما لا يستحق أن يعرقل مسيرة انجازاته..



نسخ جديدة من الذات


وبامعان النظر في حياتنا نجد أننا مع الوقت قد نصبح نسخا مختلفة عما كنا عليه من قبل،، هذه النسخ الحديثة لكل منا قد دفعت فواتير الألم كامله بلا تأجيل وأدركت قيمة دروسها الحياتية الدافعة لحتمية التغيير ،، فالكرم حين يمنح لمن لا يستحق وبلا حدود يفتح طريقا للهلاك..

وانطلاقا مما تقدم فالتغير الحقيقي هو صناعة ذاتية بفعل ارتقاء الوعي واستناره الوجدان ،، فلنمض في دروبنا على بصيرة نافذة وتغيير فعلي واستشفاء داخلي مستندين الي وعي فاعل وفكر ثاقب وطاقات داخلية تصلح ما استطاعت بايمان راسخ بان الله وحده هو غايه العزم ومبتدؤه ومنتهاه.



إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات