ما وراء السلوك لماذا نرى الدليل الذي يؤكد ما نؤمن به

 ما وراء السلوك

 لماذا نرى الدليل الذي يؤكد ما نؤمن به؟



عندما لا نبحث عن الحقيقة… بقدر ما نبحث عما يؤكدها


بقلم: هشام نوار

مدرب دولي معتمد | أخصائي نفسي إكلينيكي


هل سبق أن كنت مقتنعًا بأن شخصًا ما لا يهتم بك؟


تتذكر المرة التي لم يرد فيها على رسالتك، والموقف الذي تحدث فيه مع الآخرين ولم يلتفت إليك، والطريقة التي أنهى بها حديثه معك.


ومع كل موقف، تتكوّن لديك قطعة جديدة من الصورة.


ثم يحدث شيء بسيط.


يرسل لك رسالة لطيفة، يسأل عنك، يتصرف معك باهتمام واضح.


هل تعيد بناء الصورة كلها؟


أحيانًا نعم.


لكن أحيانًا يحدث شيء آخر.


نبدأ في تفسير الدليل الجديد بطريقة تحافظ على الصورة القديمة:


«أكيد محتاج حاجة.»


«دي مجاملة وخلاص.»


«هو بيعمل كده عشان مصلحة.»


وهنا تظهر مفارقة غريبة:


قد لا نكون فقط نبحث عن الحقيقة… بل نبحث، من حيث لا نشعر، عما يؤكد ما نعتقده بالفعل.


وهنا تبدأ رحلتنا إلى ما وراء السلوك.


عندما يكون رأينا موجودًا قبل الدليل


من المفترض أن تأتي المعلومة أولًا، ثم نكوّن رأينا بناءً عليها.


لكن الحياة النفسية لا تعمل دائمًا بهذا الترتيب.


أحيانًا يكون لدينا رأي أو توقع مسبق، ثم تأتي المعلومات الجديدة لتدخل إلى هذا الإطار.


ولو كنت مقتنعًا مثلًا أن مديرك لا يقدّرك، فقد تلاحظ بسهولة نبرة صوته عندما ينتقد عملك، وتتذكر المرات التي لم يشكرك فيها، وتعتبر ذلك دليلًا إضافيًا.


لكن ماذا عن المرات التي أثنى فيها على شغلك؟


قد تراها أيضًا، بالطبع.


لكن ربما لا تحمل عندك الوزن نفسه.


هذه واحدة من الصور التي يظهر فيها ما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ التحيز التأكيدي Confirmation Bias.


ببساطة: عندما يكون لدينا اعتقاد مسبق، قد يؤثر هذا الاعتقاد في الطريقة التي نبحث بها عن المعلومات وننتبه إليها ونفسرها.


ليس لأننا قررنا أن نخدع أنفسنا.


بل لأن العقل لا يتعامل مع كل معلومة جديدة وكأنها أول معلومة في حياته.


الدليل الذي نبحث عنه… والدليل الذي يفوتنا


تخيل شخصًا يقول:


«أنا دائمًا بفشل في العلاقات.»


لو أصبحت هذه الجملة جزءًا من الصورة التي يحملها عن نفسه، فقد يبدأ في جمع أدلة تؤيدها دون أن يقصد.


رسالة لم يُرد عليها.


خلاف بسيط.


شخص ابتعد عنه.


علاقة لم تكتمل.


كل واحدة منها تصبح قطعة أخرى في القصة.


لكن العلاقات التي نجحت؟


الأشخاص الذين بقوا؟


المواقف التي تصرف فيها بشكل ناضج وتجاوز فيها خلافًا؟


قد تمر دون أن تحصل على الاهتمام نفسه.


وهكذا تبدأ دائرة صغيرة:


اعتقاد → ننتبه لما يؤكده → يبدو الاعتقاد أكثر صحة.


والأخطر أن الدائرة لا تحتاج إلى كذبة حتى تعمل.


كل الأدلة قد تكون حقيقية.


المشكلة في ما الذي اخترنا أن نضعه تحت الضوء، وما الذي تركناه في الظل.


لكن هل يعني هذا أننا نرى فقط ما نريد؟


ليس بهذه البساطة.


وهنا تأتي أهمية العلم.


التحيز التأكيدي ليس قاعدة تقول إن الإنسان دائمًا يرفض أي شيء يخالفه.


أحيانًا نبحث فعلًا عن معلومات تعارض رأينا، خصوصًا عندما تكون الدقة أهم بالنسبة لنا من مجرد إثبات أننا على حق.


لكن عندما نكون متعلقين بموقف ما، أو نشعر أن التراجع عنه يهدد شيئًا مهمًا بالنسبة لنا، يصبح التعامل مع المعلومات المخالفة أكثر صعوبة.


ولهذا فالسؤال ليس:


«هل أنا منحاز؟»


فكلنا لدينا انحيازات.


السؤال الأكثر فائدة هو:


«متى يمكن أن يؤثر انحيازي في الطريقة التي أرى بها الأدلة؟»


من معلومة صغيرة إلى قصة كاملة


وهنا يحدث شيء أكثر خطورة.


شخص لم يرد على رسالتي.


إذن هو يتجاهلني.


يتجاهلني لأنه لا يهتم.


لا يهتم لأن العلاقة ليست مهمة بالنسبة له.


إذن كنت مخطئًا عندما وثقت به.


لاحظ كيف تحولت الأمور.


بدأنا بمعلومة.


ثم أضفنا إليها تفسيرًا.


ثم أصبح التفسير حكمًا.


ثم تحوّل الحكم إلى قصة كاملة.


وكل خطوة تبدو منطقية إذا قبلنا الخطوة التي سبقتها.


لكن أحيانًا نحتاج فقط إلى الرجوع خطوة واحدة إلى الوراء وسؤال أنفسنا:


هل كانت البداية نفسها واضحة إلى هذه الدرجة؟


ربما كان مشغولًا.


ربما لم ير الرسالة.


ربما كان يمر بشيء لا نعرفه.


هذا لا يعني أن أحد هذه التفسيرات صحيح.


لكن مجرد وجود احتمال آخر يذكّرنا بشيء مهم:


التفسير الذي جاء إلى ذهننا أولًا ليس بالضرورة الحقيقة.


كيف نختبر أفكارنا بدل أن ندافع عنها؟


لا يمكننا أن نعيش ونحن نشك في كل شيء.


وليس المطلوب أن نحول كل موقف إلى تحقيق.


لكن هناك لحظات يكون فيها من المفيد أن نتوقف قليلًا.


عندما تكون متأكدًا جدًا من رأيك، اسأل:


ما الشيء الذي لو رأيته سيجعلني أغيّر رأيي؟


وعندما تجد نفسك تجمع الأدلة التي تؤيد موقفك:


هل بحثت عن شيء يمكن أن يخالفه؟


وعندما يأتي تفسير يوافق تمامًا ما كنت تتوقعه:


هل هو التفسير الوحيد الممكن؟


ثلاثة أسئلة بسيطة.


لكنها قد تفتح مساحة صغيرة بين ما حدث فعلًا وبين القصة التي صنعناها عنه.


وهذه المساحة أحيانًا هي كل ما نحتاجه لنرى بشكل أوضح.


وما وراء السلوك؟


نحن عادة نرى السلوك في نهايته.


نرى شخصًا يتمسك برأيه.


نرى شخصًا يرفض دليلًا واضحًا.


نرى شخصًا يحكم على موقف بطريقة تبدو لنا غير منطقية.


فنقول:


«هو عنيد.»


«هو مش شايف الحقيقة.»


«هو مقتنع بحاجة رغم إن كل الأدلة عكسها.»


لكن ربما السؤال الأهم ليس:


«لماذا يتصرف هكذا؟»


بل:


«ماذا يرى هو أصلًا؟ وما الذي أعطاه قيمة أكبر؟»


لأن ما نراه نحن «دليلًا واضحًا» قد لا يدخل إلى عقل شخص آخر بالطريقة نفسها.


وهنا نصل إلى السؤال التالي في رحلتنا:


لماذا يبدو الشخص الذي نختلف معه غير منطقي؟


وهو السؤال الذي سنقترب منه في المقال القادم.


المراجع العلمية


* Nickerson, R. S. (1998). Confirmation bias: A ubiquitous phenomenon in many guises. Review of General Psychology, 2(2), 175–220.

* Hart, W., Albarracín, D., Eagly, A. H., Brechan, I., Lindberg, M. J., & Merrill, L. (2009). Feeling Validated Versus Being Correct: A Meta-Analysis of Selective Exposure to Information. Psychological Bulletin, 135(4), 555–588.

* Fischer, P., & Greitemeyer, T. (2010). A New Look at Selective-Exposure Effects: An Integrative Model. Current Directions in Psychological Science, 19(6), 342–348.


«ما وراء السلوك»

سلسلة مقالات علمية من TRC – Training & Research Community


نقترب من السلوك الذي نراه… لنفهم العمليات التي تقف وراءه.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات