*النسخة القوية... منهارة من الداخل.*
انقبض قلبي مع دقات السابعة.
فتحتُ عينيَّ بصعوبة.
كان جسدي يرفض النهوض، وكأن النوم لم يكن راحة… بل هدنة قصيرة داخل معركة اشتعلت من جديد.
ثقلٌ على صدري… وضيق لم أفهم له سببًا.
ورغبة غامضة في البكاء، أو الاختفاء للأبد تحت الغطاء.
وبدون إرادة مني.
أزحت الغطاء ونهضت لأتجهز، وإذ بي في الشارع متحليًا بقناع يعرفه الناس جيدًا.
أمشي بخطوات ثابتة ومحسوبة.
في العمل، تستقبلني نظرات الإعجاب…
وأسمعهم من خلفي يرددون:
"ثابت… قوي… مميز."
أسمعها وكأنها لا تعنيني، كأنها تخص شخصًا آخر.
أحل مشكلة هذا، وأدير أزمة ذاك.
أبدو في قمة الحضور… بينما جزء مني يغيب عن هذا المشهد.
لا يرون يدي حين ترتجف.
ولا يسمعون ذاك الضجيج الذي يثور بداخلي.
دائمًا أطبطب على نفسي وأقول:
"إرهاق عمل لا أكثر… سأرتاح لاحقًا."
"كل مُرّ سيمر…"
لكن شيئًا لم يمر.
تأتي الإجازات وتنقضي… والثقل باقٍ، بل يزداد.
وهنا كبرت الحيرة:
كيف لإنسان ينجز ويقود الآخرين… أن ينهار من الداخل بهذا الشكل؟
لكن هذه المرة، لم أهرب.
ضاقت بي نفسي، وحار قلبي وفكري…
ولم أجد إلا من بيده مفاتيح النفوس والقلوب.
رفعت يدي:
"يا رب دلّني على نفسي…"
قلتُها بيقينٍ لم أعرفه منذ زمن.
وكأن هذه الكلمة كانت مفتاح بابٍ ظل مغلقًا طويلًا.
ومن هناك…
بدأت رحلة مختلفة.
لم تكن رحلة بحث عن حل سريع،
ولا محاولة جديدة لأقنع نفسي أن كل شيء بخير.
بل رحلة فهم.
أغوص في مراجع علم النفس والأعصاب،
وأربط ما أقرأه بأنوار الدين.
أستمع…
وأقرأ…
وأفتش عن إجابة تروي هذا الظمأ.
حتى وقعت على حقيقة غيّرت فهمي لكل ما كنت أمر به:
الجهاز العصبي هنا لا ينهار…
بل يبقى في حالة استنفار.
فالإنسان هنا…
لا يهدأ…
لا يطمئن…
لا يتوقف.
يستمر…
ويعمل…
وينتج…
من الخارج…
يبدو للناس أنه بخير.
لكن من الداخل…
هناك شيء يُستنزف بصمت.
ومع هذه الحقيقة…
مرّ أمامي شريط حياتي.
عدتُ بالذاكرة إلى الوراء…
إلى طفلٍ تعلّم مبكرًا أن يكون سندًا.
طفلٍ حمل ما لم يكن من المفترض أن يحمله طفل.
كان يسمع هموم الكبار…
قبل أن يفهم همومه.
ويتعلم الصبر…
قبل أن يتعلم كيف يعبّر عن ألمه.
هناك…
في تلك الزوايا القديمة من العمر،
تشكّلت بداخلي فكرة صامتة:
"أن قيمتي في أن أتحمل…
لا في أن أحتاج."
وُلدت النسخة التي يعرفها الناس.
نسخة لا تطلب…
لا تضع حدودًا…
ولا تستريح أبدًا…
لكن حين أنظر إليها اليوم…
أراها هيكلًا واقفًا.
لا يعيش…
لكنه لا يقع.
وأدركت أخيرًا…
أن ما كنت أظنه قوة طوال تلك السنين،
لم يكن سوى استمرارٍ طويلٍ بلا راحة.
ولأول مرة…
لم أعد أُجبر نفسي على صمودٍ يستنزفني.
ولم أعد أبحث عن تبريراتٍ تُؤجل الحقيقة.
وفهمت شيئًا لم أكن أراه من قبل…
أن هذا النمط لم يكن ضعفًا…
ولا خللًا في الإرادة…
بل كان طريقة عقلٍ تعلّم مبكرًا أن البقاء يعني الاستمرار، حتى لو كان على حساب النفس.
وهنا بدأت أفهم، بهدوء… أن ما كنت أعيشه ليس مجرد تعب، بل نمط تفكير قديم يقود السلوك دون وعي.
في علم النفس يُقال إن الفكرة التي تتكوّن مبكرًا تتحول إلى قاعدة داخلية… ثم تبدأ في قيادة الحياة بصمت.
مثل الفكرة التي كانت بداخلي:
"يجب أن أتحمل دائمًا كي أكون جيدًا."
وهذه الفكرة لا تُكسر بالفهم فقط…
بل تُعاد كتابتها بالتجربة.
وهنا بدأ التغيير لا من التحليل… بل من الفعل:
أن أتوقف قليلًا دون شعور بالذنب.
أن أختبر فكرة أن الراحة لا تعني الضعف.
أن أستبدل حمل كل شيء وحدي… بطلب المساندة.
وأن أتعلم أن قول "لا" ليس فقدًا للقيمة… بل حماية لها.
فالتغيير الحقيقي لا يحدث حين نفهم أنفسنا فقط…
بل حين نتوقف عن معاملتها كأنها في حرب دائمة.
فقط…
قررت أن أرى هذا الطفل الذي يسكنني.
سقطت الأقنعة دون ضجيج.
لم ينهَر شيء كما كنت أخشى…
بل انفتح في داخلي فراغٌ هادئ،
مساحةٌ رحبة كانت تنتظر أن تُرى.
ومع هذا الهدوء…
اقتربت من السكينة التي كنت أظنها بعيدة.
تأملتُ قول الله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
ولأول مرة، لم أقرأها كدعوةٍ للمزيد من التحمل…
بل كرسالة رحمة.
أن النفس لها سعة، ولها ضيق،
وأن الله لا يطلب مني أن أكسر نفسي لأصمد.
وتأملتُ سيرة النبي ﷺ؛
كان يبكي حين يحزن، ويقول: "زملوني"،
ويقول: "أرحنا بها يا بلال".
لم تكن تلك لحظات ضعف…
بل لحظات إنسانية صافية.
أدركتُ أن القوة ليست في إنكار الألم…
بل في القدرة على البقاء معه دون قسوة.
وبدأت أمارس الحياة…
لا كأنني في حرب، بل كأنني في رحلة.
توقفٌ قصير بلا ذنب.
طلبُ مساعدة بدل حمل كل شيء وحدي.
كلمة "لا" تُقال بهدوء، بلا صراع داخلي.
لم يتغير العالم كثيرًا…
لكن داخلي… توقف عن الحرب.
وبقي شيء واحد فقط:
هدوء…
لم أعرفه إلا حين توقفت عن الجري.
