رحلة المواجهة الكبري مع الذات

 رحلة  المواجهة الكبري مع الذات

 


بقلم .. د.منار السواح استشاري نفسي ومعالج اكلينيكي دولي معتمد ..


في احدي ليالي الشتاء قارصة البرودة حالكة الظلمة،، ليلة خلت من كل مظاهر الصخب و الضجيج ،، جلست علي مقعدي الهزاز أمام مرآةٍ لم تعكس ملامحي فحسب ،، بل تنفذ و تكشف عن تلك النسخة الداخلية المختبئة خلف ابتساماتي، وهدوئي المصطنع في كثير من الأحيان رغم شدة الضجيح الداخلي .

لأبدأ معها رحلة  من  أعظم رحلات المواجهات مع النفس،،  يا الله انها المواجهة مع ذاتي.

فليست كل الحروب تُخاض بالرماح والسيوف، فبعضها يدور في ساحات الأعماق  أعماق الروح،

حيث يقف الإنسان أمام نفسه بلا أقنعة، بلا كذب بلا صورة ذاتية زائفة يحاول الحفاظ عليها أمام الآخرين،، بلا تبرير للاخطاء للحفاظ علي صورة الذات ،،وبلا جمهورٍ يدعم انتصاراتي الزائفة.

هناك، في الزوايا المجهولة للنفس،

تظهر العيوب التي طالما أخفيتها  خلف الكلمات المنتقاة رغبة في عدم حرج الاخرين،، يا الله 

 مخاوف عديدة وتراكمات ظللت أقذها في اللاشعور حتي امتلأ وفاض بما حواه من تراكمات ومخاوف علي مدار سنوات وسنوات خوف من الفشل…

خوف من الرفض…

خوف من الوحدة…

بل والخوف من أن أكتشف أنني  لم أكن كما ظننت نفسي يومًا.

إن النسخة الداخلية للشخصية ليست شريرة كما نتصور،

إنها فقط مليئة بالندوب والجراح، مثقلة بالأعباء ،، تحمل آثار خيباتٍ قديمة، وذكرياتٍ لم تُشفَ بعد،

وأحلامٍ ذهبت أدراج الرياح.

هي ذلك الطفل  الداخلي القديم  المختبئ داخلنا، الذي ما زال يرتجف كلما سمع صوت القسوة،

وما زال يبحث عن معني الأمان في عالمٍ ممتلئ بالخسارات.

وحين يجرؤ الإنسان على مواجهة ذاته، يكتشف أن أكثر ما أتعبه لم يكن العالم، بل كان هروبه المستمر من نفسه.

فكم من مرةٍ انشغل بالآخرين كي لا يسمع صوته الداخلي؟

وكم من مرةٍ ارتدى ثوب القوة بينما كان محطما هشًّا من الداخل؟

وكم من مرةٍ ابتسم للناس بينما كانت روحه تنزف بصمت؟

المواجهة الحقيقية ليست أن ترى عيوبك فقط، بل أن تعترف بها دون كراهية، وأن تنظر إلى ضعفك بعين اللطف والرحمة لا الاحتقار والتقليل من الشأن، فالإنسان لا ينضج حين يصبح كاملًا في حياة بنيت علي النقص ،، بل ينضج

 حين يتصالح مع نقصه البشري  ، ويدرك أن العيوب ليست نهاية الطريق، بل بداية الوعي والاستبصار الروحي ..

 ودائما وابدا ما يكون هناك لحظة فارقة في حياة كل إنسان لا يعود بعدها كما كان قبلها،، حيث يدرك أن النجاة لا تأتي من تغيير العالم،

بل من إعادة ترتيب الفوضى داخل النفس والاستماع الي ذلك الصوت الداخلي صوت الضمير  جاهدا في احداث التوازنات بين أحكام عقله ورغبات قلبه،، ليس هذا فحسب. بل أن يُسامح ذاته على أخطاء ارتكبها وهو يحاول فقط أن ينجو ،، يا ليتنا نكتب لانفسنا خطاب الصفح والغفران لنبدأ صفحة جديدة مع النفس صفحة أنضجتها التجارب وتركت فيها الايام أثرا لا ينسي ،،

إن أكثر الناس قوة ليسوا أولئك الذين لا يفشلون ، بل أولئك الذين يملكون شجاعة النظر  لأرواحهم دون خوف بحكمة وروية واستبصار معترفين بنقاط 

ظلامهم الداخلي، واشعال نور الفهم واعادة الانارة والاشراق من جديد..

فالروح التي تواجه حقيقتها بصدق، تولد من جديد بوعي أنضج وحكمة أعمق .. 

وتظل مواجهة الذات رحلةً مؤلمة لا يستطيع الكثير ارتيادها الا انها ضرورية لاعادة تصحيح المسار فالإنسان مهما ابتعد عن نفسه، سيعود يومًا ليجلس معها في صمت، ويكتشف أن السلام الحقيقي لم يكن يومًا في الهروب من النفس بل في  احتوائها والاصغاء والمصالحة معها..

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات