البحث عن المعنى في زمن السرعة


البحث عن المعنى في زمن السرعة


مقدمة


في زمن السرعة تختلط المعاني، تتداخل أو تتناثر أو حتى تختفي. تخيلوا معي اختفاء المعاني من حياتنا: الوفاء، الإخلاص، الأمانة، الصدق، الصبر، الإحسان، الإتقان، الإيثار، العطاء وغيرها… هل ستبدو الحياة سوية ومتزنة حينها؟ السرعة هي المتهم الأول في هذا الأمر.



الإنسان بين الجسد والروح


نحن دائمًا في عجلة من أمرنا، نلهث وراء إنجاز المهمات قبل أن يفوت الوقت أو تفقد أهميتها. السرعة مطلوبة لكنها لا تكفي لحياة إنسانية سوية، فالإنسان جسد وروح، ولا يستوي أمره إلا باتزان بين الاثنين.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)

هنا تحديد واضح وصريح بالهدف الأعظم وراء خلق الإنسان، والذي تتفرع منه كل أشكال المعاني المطلوبة لإقامة حياة ذات معنى حقيقي.




العبادة كمعنى أعظم


المعنى العظيم ابتداءً هو العبادة، وتشمل:


• الصلاة: تؤديها الجوارح لكنها تستهدف الالتجاء إلى الله والسير على صراطه المستقيم.

• الصوم: عبادة بالجوارح تستهدف تحقيق التقوى في القلوب.

• الزكاة: لتطهير النفس من الشح والبخل وسموها بالنفع والعطاء.

• الحج: يجتمع فيه الناس سواسية، أغنياء وفقراء، علماء وعوام، طلبًا للمغفرة والرحمة، تاركين وراءهم أسباب الراحة المعتادة.




غلبة الماديات وفقدان المعنى


على أرض الواقع، صارت الغلبة للماديات، وتم تفريغ الأمور من المعاني.


• في التعلم: أصبح التركيز على المباني الفاخرة واللغات الأجنبية، بينما غاب المعنى وراء العلم وهو النفع ونشر المعرفة. تحول العلم إلى غاية في ذاته، وأحيانًا إلى سباق تنافسي، مع أن الأصل التعاون والتكامل.

• في الزواج: ندقق في التفاصيل المادية والفخامة، بينما نغفل عن السكينة والرحمة والتقوى. هل نتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عند الخلاف أو الانفصال؟



---


أثر غياب المعنى


المعنى هو الأثر الطيب الذي يبقى. بدونه يتحول الأمر إلى عبث إنساني وفوضى في الروح.


• المعنى يعيد ترتيب الأولويات.

• يحافظ على سلامة الروح والجسد والنفس.

• بدونه تصبح الأجساد بلا روح، ويعتاد البشر حياة الجفاء والخواء، حتى لو امتلكوا أسباب الرفاهية المادية.



---


خاتمة


المعنى هو ما يمنح للحياة قيمتها الحقيقية. هو ما يبقى بعد رحيلنا، في أثر طيب وسيرة حسنة. في زمن السرعة، علينا أن نتوقف قليلًا لنراجع: هل نعيش بالمعنى؟ أم نلهث وراء المظاهر؟

الحياة بلا معنى… مجرد سباق فارغ، أما الحياة بالمعنى فهي رحلة ثرية بالروح والإنسانية.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات