هل يمكن أن يألف الإنسان المألوف المؤلم؟
كتبت : د/ دينا صفوت
استشاري العلاج الطبيعي
الألفة مع الألم: بين الواقع والقرآن
هل يمكن للإنسان أن يألف ما يؤلمه ؟ بل يختاره نهجا و أسلوبا يقره و يسلكه ، يحرص عليه و يتمسك به، و مع الوقت يصبح هذا المألوف مرتبطا بالأمن و الامان عنده ، هل يمكن أن يجعل المألوف المؤلم واقع صاحبه افضل، او يجعله يحيا بنفس مطمئنة و روح هادئة ، يقول ربنا في كتابه العزيز ( لايلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء و الصيف )قسم من رب العزة بايلاف و ألفة ، لكنها هنا نعمة الفها أصحابها ، حتى نسوا فضل ربهم عليهم و نعمته ، فكان ايلافا مذموما ، لانه ايلاف انسى شكر نعمة ، فما بالنا بايلاف أفعال و مواقف تؤلمنا و تؤذينا ،
الطفولة غير الآمنة وبذور الصمت
و الايلاف قد يكون الدافع إليه طفولة غير آمنة ، عاشها صاحبها وسط صخب و اصوات عالية ، و ضجيج خلافات لا يد له فيها ، امور جعلته ينشأ و هو فاقد للطمانينة ، و مع مرور ايام عمره و مع دخوله شبكة علاقات متعددة و متنوعة ، يكتشف أنه لا زال نفس الشخص الذي يؤثر السلامة على انصاف نفسه، حرصه على سلامته أصبح مرتبطا لديه بعدم التعبير عما يشعر به أو يريده ، بل يمتد إلى عدم الاعتراض و عدم الشكوى .
إيلاف الصمت والأذى وفقدان الحقوق
و يتطور الحال إلى ايلاف للصمت ، و ايلاف للاذى ، و ايلاف لعدم محاولة انصاف النفس، و يكبر المرء على هذه الحال ، حال أنه لا يستحق الحب أو التقدير ، حال أنه لا يستحق الاحترام الكافي أو المراعاة لمشاعره ، لا يستحق أن يتالم أو يحزن ، لا يستحق حتى أن يبوح بما في داخله من قلق او خوف ، فلن يقابل الا بسخرية او استهزاء ، و ربما قوبل بهجوم شرس ، و استخدمت مشاعره ضده ، أداة إيذاء و إيلام له مباشرة .
كظم الغيظ بين الاختيار والإجبار
الله تعالى أخبرنا في كتابه الكريم ( و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس ) و جعلها صفات طيبة لعباد الرحمن ، الذين يمشون على الأرض هونا و اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، فلا عيب في ذلك و لا نقص ، لكن النقص و الخطأ يحدث حين نفعل ذلك جبرا حتى ننال مبتغانا من الرضى و القبول ، او تجنبا لإلقاء اللوم علينا او تخوفا من عدم الاصغاء لنا من الأساس ، فادراكنا للأمر في غاية الأهمية ، و ان يكون اختيارا منا حريصين عليه و نريده ، أما أن نختار ذلك لأننا لا نرى أننا نستحق او لاننا اقتنعنا مع الوقت أن ذلك ما يجب علينا دوما ، او أن المطالبة بالحد الأدنى من احترام او قبول لمشاعرنا أمر هامشي ، بينما من كظم غيظه أو عفى عمن أساء إليه ، فعل ذلك اختيارا و ليس إجبارا او احتقارا لنفسه ، و من هنا استحق الأمر المدح من رب العالمين.
الإيمان حصن الأمان النفسي
و قد أخبرنا الله عز وجل في موضع آخر من القران الكريم ( و لا تهنوا و لا تحزنوا و انتم الاعلون إن كنتم مؤمنين ) اي أنه لا يجب علينا أن نقلل من شأن انفسنا او نحزن لما أصابنا من أمر في هذه الدنيا ، فمهما حدث فإننا ان كنا مؤمنين ، فنحن الاعلى و الافضل ، و الايمان هنا هو شرط حدوث ذلك ، لان الايمان بالله حق الايمان و تعظيمه حق التعظيم في القلوب ، يجعل الإنسان في حصن آمن ، و ان الله لن يضيعه او يخذله ، طالما أنه ارتضاه ربا و معبودا ، فلا يرضى او يقبل بالفتات من الامور ، فتات حب او فتات احترام او فتات تقدير او فتات رعاية او اهتمام ، هو يكون على يقين أنه أهل لكل طيب و جميل فإذا لم يجد ذلك ، أعاد رسم حدود احترامه و حدود التعامل معه.
حب النفس شرط تجاوز المألوف المؤلم
و من اشهر اسباب قبول المألوف المؤلم هو أن المرء لم يتعلم أن يحب نفسه ، فيحفظ عليها كرامتها و لا يقبل الأذى لها ، و كذلك الخوف من النجاح في ذاته ، فالنجاح أمر يقوم على المواجهة و الشجاعة ، و من لم يتعلم أن يحب نفسه ، لم يعرف الشجاعة و لم يعهد المواجهة ، و من ناحية أخرى اعتاد إيلام نفسه و ايذاءها بالفشل الذي طالما برر له و أسس له ، حتى صار واقعا ملموسا يحياه ، و يصبح متعايشا معه مستقبلا له بلا أي غضاضة ، و هذه أن أدركنا تهلكة للنفس و ايما تهلكة ،
الخاتمة: حفظ النفس مقصد شرعي عظيم
فالحرص على نفع النفس و درء الأذى عنها ، مقصد عظيم من مقاصد شريعتنا الغراء ، و ليس أمرا ثانويا أو هامشيا بالمرة ، فمن فعل ذلك ظلم نفسه و اورثها شعورا بالدونية ، لم يخلق له ، فالله كرم بني ادم كلهم و جعل التقوى و العمل الصالح ميزان التفاضل فيما بينهم ، و تفرد وحده بالحكم بينهم فيما اختلفوا فيه يوم يجمعهم جميعا ليوم لا ريب فيه .
جميل أن ينضم الى كن سعيد كوادر مميزين فى مجالات متنوعه و مختلفه لتكون مكانا لتبادل الخبرات على المستوي العلمى و الانساني و نكون فى انتظار مشاركتكم و تفاتعلكم و استفساراتكم ان وجدت
