​​متلازمة «الجلاد الداخلي»:

 



د / حبيبه وفيق

باحثة وكاتبة و معالجه نفسية متخصصه في التعافي وتطوير الذات خبرة ٨ سنوات أكاديمية ومهنية في مجال ( الاضطرابات النفسية و الشخصيه و الجنسيه/ الصدمات/ القلق/ الاكتئاب) مع تطبيق الاختبارات و التقيم النفسي  كوتش علاقات معتمد (ICF) استشاري زواجي و تربوي


​​متلازمة «الجلاد الداخلي»:

لماذا نتطوّع بدور المتهم في محاكماتنا النفسية؟


نرى نوعًا من البشر يعيش داخل محاكم مفتوحة لا تُغلق أبوابها أبدًا؛

هو فيها المتهم، والقاضي، والسجّان في آنٍ واحد.

أشخاص يسكنهم صوت قديم، يهمس عند كل أزمة:

«أنت السبب».

ليس لأنهم أذنبوا فعلًا،

بل لأنهم تعلّموا ـ مبكرًا ـ أن يتحمّلوا مسؤولية أخطاء الجميع:

مشاعر الآخرين، تقلباتهم، فشل العلاقات، وحتى ما لا يملكون السيطرة عليه.

نشأوا في بيئات اعتادوا فيها النقد المستمر، واللوم بلا ذنب، والمحاسبة دون رحمة،

فكبروا وهم يجلدون أنفسهم قبل أن يفعل أي شخص آخر.

سجون «الأنا العليا» وصراع القوى الثلاث

من منظور التحليل النفسي الكلاسيكي، يعيش الإنسان صراعًا دائمًا بين ثلاث قوى نفسية:

الهو: مصدر الاندفاعات والرغبات والعواطف الفطرية.

الأنا: الذات الواقعية التي تحاول التوفيق بين الرغبات والواقع والقيود.

الأنا العليا: منظومة القيم، والمبادئ، والمثالية، والسلطة الداخلية.

في حالة جلد الذات المزمن، تتضخم «الأنا العليا» لتتحول إلى سجّان متسلّط لا يقبل بأقل من الكمال.

هذا السجّان لا يفرّق بين خطأ بشري عابر وخطيئة كبرى،

فيعاقب «الأنا» عند كل عثرة، وكل تقصير، وكل لحظة ضعف.

هنا يتحول الشعور بالذنب من وظيفة تصحيحية صحية تهدف إلى التعلم والنمو،

إلى أداة تدميرية هدفها استنزاف الذات والإبادة النفسية البطيئة.

مخطط «الوالد الناقد»: الصوت الذي سكننا ولم يغادر

في مدرسة علاج المخططات (Schema Therapy)، نكتشف حقيقة صادمة ومحرِّرة في آن واحد:

هذا الصوت القاسي ليس صوتك الحقيقي.

إنه ما نُسميه «مخطط الوالد الناقد / العقابي» (Punitive Parent Schema).

يتشكّل هذا المخطط في الطفولة، عندما:

يتعلّم الطفل أن قيمته مشروطة برضا الآخرين.

أو يُحمَّل ذنب انفعالات الكبار وتقلباتهم.

أو يُعاقَب على مشاعره الطبيعية بدل احتوائها وفهمها.

يكبر الجسد، لكن الصوت يبقى.

يظل داخل الرأس تسجيلًا نفسيًا قديمًا لصوت أب، أو أم، أو معلم، أو مجتمع كامل.

يتربص بك هذا الصوت عند:

صمت شريكك،

نظرة استياء من مديرك،

أو أي إشارة غموض غير واضحة…

ليفسّرها فورًا:

«هذا بسببك… أنت قصّرت».

أنت هنا لا تعيش واقعك،

بل تعيش ماضيك وهو يعيد إنتاج نفسه في الحاضر.

لماذا نفضّل «الذنب» على «العجز»؟

قد يبدو لوم النفس مؤلمًا، لكنه في العمق آلية دفاعية ذكية.

إحساسك بأنك «المخطئ» يمنحك وهم السيطرة:

إذا كنت أنا السبب، إذن يمكنني إصلاح الأمر.

أما الحقيقة الأصعب ـ التي يهرب منها العقل ـ فهي أننا أحيانًا نكون:

عاجزين أمام طباع الآخرين،

أو تقلبات الحياة،

أو عشوائية القدر.

نحن نجلد ذواتنا هربًا من مواجهة عجزنا الإنساني الطبيعي،

ونختار ألم الذنب لأنه ـ paradoxically ـ أكثر أمانًا نفسيًا من رعب الفوضى وعدم التحكم.


تشريح الأصوات الثلاثة خلف جلد الذات

خلف عبارة «أنا المخطئ» تختبئ ثلاثة أصوات رئيسية:

1️⃣ صوت الخوف

يخشى أن تتوقف عن نقد نفسك فتفسد،

أو أن يهجرك الآخرون إن لم تكن مثاليًا على الدوام.

2️⃣ صوت الغضب المكبوت

غضب كان من المفترض أن يتجه لمن آذاك،

لكن الخوف من المواجهة جعله يرتد إلى الداخل،

ليظهر في صورة:

صداع مزمن

اضطرابات قولونية

اكتئاب

أو إنهاك نفسي مستمر

3️⃣ صوت النقد

الصوت المبرمج الذي لا يسمح لك بتذوق النجاح،

ويذكّرك دائمًا بما ينقصك، لا بما أنجزته.

خارطة الطريق: من قاعة المحكمة إلى رحابة الحياة


التعافي لا يبدأ بالصمت،

بل بـ تغيير لغة الحوار الداخلي:

تسمية المخطط

حين يهاجمك لوم النفس، قل بوعي:

«هذا صوت الوالد الناقد، وليس حكمي الواقعي على نفسي».

فصل الهوية عن الفعل

أنت لست «فاشلًا» لأنك أخطأت،

بل أنت إنسان أخطأ.

السلوك قابل للتعديل،

أما القيمة الإنسانية فثابتة ولا تُمس.

توزيع المسؤولية بعدل

تعلّم مهارة تحليل السياق:

ما نسبة مسؤوليتك الحقيقية في هذا الموقف؟

غالبًا ستكتشف أنك تحمل أوزانًا ليست لك.

كلمة أخيرة من «عيادة الحياة»

الحرية الحقيقية تبدأ حين تدرك أنك لست:

«مشكلة تحتاج إلى حل»

بل:

«إنسان يحتاج إلى أن يعيش».

ومع كل التجارب والخبرات المبنية على الثواب والخطأ،

والمكافأة والعقاب،

يصبح التحدي الحقيقي هو أن تتعلم تقبّل نفسك بسلام،

لا بوصفك كائنًا مثاليًا،

بل كإنسان يخطئ ويتعلم وينضج.

ضع المطرقة جانبًا،

وكفّ عن إصدار الأحكام الزائفة على ذاتك.

المحاكمة انتهت.

والحكم هو:

أنت بريء…

إنسان بشري من بني آدم،

كرّمه الله، وأنعم عليه بالعقل والوعي والاختيار.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

إعلان أعلى المقالات